فصل: تفسير الآيات رقم (3- 5)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 12‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ‏(‏11‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏12‏)‏‏}‏

ولما ذكر ما يحزن من السر لكونه اختصاصاً عن الجليس بالمقال فينشأ عنه ظن الكدر وتباعد القلوب، أتبعه الاختصاص بالمجلس الذي هو مباعدة الأجسام اللازم لها من الظن ما لزم من الاختصاص بالسر في الكلام فينشأ عنه الحزن، معلماً لهم بكمال رحمته وتمام رأفته بمراعاة حسن الأدب بينهم وإن كان من أمور العادة دون أحكام العبادة، فقال مخاطباً لأهل الدرجة الدنيا في الإيمان لأنهم المحتاجون لمثل هذا الأدب‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ حداهم بهذا الوصف على الامتثال ‏{‏إذا قيل لكم‏}‏ أي من أيّ قائل كان فإن الخير يرغب فيه لذاته‏:‏ ‏{‏تفسحوا‏}‏ أي توسعوا أي كلفوا أنفسكم في إيساع المواضع ‏{‏وفي المجلس‏}‏ أي الجلوس أو مكانه لأجل من يأتي فلا يجد مجلساً يجلس فيه، والمراد بالمجلس جنس المكان الذي هم ماكثون به بجلوس أو قيام في صلاة أو غيرها لأنه أهل لأن يجلس فيه‏.‏ وذلك في كل عصر، ومجلس النبي صلى الله عليه وسلم أولى بذلك، وقراءة عاصم بالجمع موضحة لإرادة الجنس ‏{‏فافسحوا‏}‏ أي وسعوا فيه عن سعة صدر ‏{‏يفسح الله‏}‏ أي الذي له الأمر كله والعظمة الكاملة ‏{‏لكم‏}‏ في كل ما تكرهون ضيقه من الدارين‏.‏

ولما كانت التوسعة يكفي فيها التزحزح مع دوام الجلوس تارة وأخرى تدعو الحاجة فيها إلى القيام للتحول من مكان إلى آخر قال‏:‏ ‏{‏وإذا قيل‏}‏ أيّ من قائل كان- كما مضى- إذا كان يريد الإصلاح والخير ‏{‏انشزوا‏}‏ أي ارتفعوا وانهضوا إلى الموضع الذي تؤمرون به أو يقتضيه الحال للتوسعة أو غيرها من الأوامر كالصلاة أو الجهاد وغيرهما ‏{‏فانشزوا‏}‏ أي فارتفعوا وانهضوا ‏{‏يرفع الله‏}‏ الذي له جميع صفات الكمال، عبر بالجلالة وأعاد إظهارها موضع الضمير ترغيباً في الامتثال لما للنفس من الشح بما يخالف المألوف ‏{‏الذين آمنوا‏}‏ وإن كانوا غير علماء ‏{‏منكم‏}‏ أيها المأمورون بالتفسح السامعون للأوامر، المبادرون إليها في الدنيا والآخرة بالنصر وحسن الذكر بالتمكن في وصف الإيمان الموجب لعلو الشأن بطاعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم في سعة صدورهم بتوسعتهم لإخوانهم‏.‏

ولما كان المؤمن قد لا يكون من المشهورين بالعلم قال‏:‏ ‏{‏والذين‏}‏ ولما كان العلم في نفسه كافياً في الإعلاء من غير نظر إلى مؤت معين، بنى للمفعول قوله‏:‏ ‏{‏أوتوا العلم‏}‏ أي وهم مؤمنون ‏{‏درجات‏}‏ درجة بامتثال الأمر وأخرى بالإيمان، ودرجة بفضل علمهم وسابقتهم- روى الطبراني وأبو نعيم في كتاب العلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من جاءه أجله وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام لم يفضله النبيون إلا بدرجة واحدة»، رواه الدارمي وابن السني في رياضة المتعلمين عن الحسن غير منسوب، قال شيخنا‏:‏ فقيل‏:‏ هو البصري فيكون مرسلاً، وعن الزبير‏:‏ العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكور الرجال‏.‏

وكلما كان الإنسان أعلم كان أذكر، ولعله ترك التقييد ب «من» في هذا وإن كانت مرادة ليفهم أن العلم يعلي صاحبه مطلقاً، فإن كان مؤمناً عاملاً بعلمه كان النهاية، وإن كان عاصياً كان أرفع من مؤمن عاص وعار عن العلم، وإن كان كافراً كانت رفعته دنيوية بالنسبة إلى كافر لا يعلم، ودل على ذلك بختم الآية بقوله مرغباً مرهباً‏:‏ ‏{‏والله‏}‏ أي والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ‏{‏بما تعملون‏}‏ أي حال الأمر وغيره ‏{‏خبير *‏}‏ أي عالم بظاهره وباطنه، فإن كان العلم مزيناً بالعمل بامتثال الأوامر واجتناب النواهي وتصفية الباطن كانت الرفعة على حسبه، وإن كان على غير ذلك فكذلك، وقدم الجار ومدخوله وإن كان علمه سبحانه بالأشياء كلها على حد سواء تنبيهاً على مزيد الاعتناء بالأعمال، لا سيما الباطنة من الإيمان والعلم اللذين هما الروح الأعظم، لأن المقام لنزول الإنسان عن مكانه بالتفسح والانخفاض والارتفاع، ولا يخفى ما في ذلك من حظ النفس الحامل على الجري مع الدسائس، فكان جديراً بمزيد الترهيب، وسبب الآية أن أهل العلم لما كانوا أحق بصدر المجلس لأنهم أوعى لما يقول صاحب المجلس، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «ليليني أولو الأحلام منكم والنهى»، وكان صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء أناس من أهل بدر منهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سبق غيرهم إلى المجلس فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم سلموا على القوم فردوا عليهم فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفعلوا فقال لمن حوله من غير أهل بدر‏:‏ قم يا فلان وأنت يا فلان، فأقام من المجلس بقدر القادمين من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهية في وجوههم، فقال المنافقون‏:‏ ألستم تزعمون أن صاحبكم يعدل، فوالله ما عدل على هؤلاء، إن قوماً أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه مكانهم، فأنزل الله هذه الآية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم» رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقال الحسن‏:‏ بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قاتل المشركين فصف أصحابه رضي الله عنهم للقتال تشاحوا على الصف الأول فيقول الرجل لإخوانه‏:‏ توسعوا لنلقى العدو فنصيب الشهادة، فلا يوسعون له رغبة منهم في الجهاد والشهادة، فأنزل الله هذه الآية، وهي دالة على أن الصالح إن كره مجاورة فاسق منع من مجاورته لأنه يؤذيه ويشغله عن كثير من مهماته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

«لا ضرر ولا ضرار» وقال‏:‏ «أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحول» وقال‏:‏ «شر الناس من لا يآمن جاره بوائقه» فقال تعالى معظماً لرسوله صلى الله عليه وسلم وناهياً عن إبرامه صلى الله عليه وسلم بالسؤال والمناجاة، ونافعاً للفقراء والتمييز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا، ولما نهى عما يحزن من المقال والمقام، وكان المنهي عنه من التناجي إنما هو لحفظ قلب الرسول صلى الله عليه وسلم عما يكدره فهو منصرف إلى مناجاتهم غيره، وكان ذلك مفهماً أن مناجاتهم له صلى الله عليه وسلم لا حرج فيها، وكان كثير منهم يناجيه ولا قصد له إلا الترفع بمناجاته فأكثروا في ذلك حتى شق عليه صلى الله عليه وسلم، وكان النافع للإنسان إنما هو كلام من يلائمه في الصفات ويشاكله في الأخلاق، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد الناس من الدنيا تقذراً لها لأجل بغض الله لها، أمر من أراد أن يناجيه بالتصدق ليكون ذلك أمارة على الاجتهاد في التخلق بأخلاقه الطاهرة من الصروف عن الدنيا والإقبال على الله، ومظهراً له عما سلف من الإقبال عليها فإن الصدقة برهان على الصدق في الإيمان، وليخفف عنه صلى الله عليه وسلم ما كانوا قد أكثروا عليه من المناجاة، فلا يناجيه إلا من قد خلص إيمانه فيصدق، فيكون ذلك مقدمة لانتفاعه بتلك المناجاة كما أن الهدية تكون مهيئة للقبول كما ورد «نعم الهدية أمام الحاجة» فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ أي ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة أغنياء كانوا أو فقراء ‏{‏إذا ناجيتم‏}‏ أي أردتم أن تناجوا ‏{‏الرسول‏}‏ صلى الله عليه وسلم أي الذي لا أكمل منه في الرسلية فهو أكمل الخلق ووظيفته تقتضي أن يكون منه الكلام بما أرسله به الملك وتكون هيبته مانعة من ابتدائه بالكلام، فلا يكون من المبلغين إلا الفعل بالامتثال لا غير ‏{‏فقدموا‏}‏ أي بسبب هذه الإرادة العالية على سبيل الوجوب ومثل النجوى كشخص له يدان يحتاج ان يطهر نفسه ليتأهل للقرب من الرسول صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏{‏بين يدي نجواكم‏}‏ أي قبل سركم الذي تريدون أن ترتفعوا به ‏{‏صدقة‏}‏ تكون لكم برهاناً قاطعاً على إخلاصكم كما ورد أن الصدقة برهان، فهي مصدقة لكم في دعوى الإيمان التي هي التصديق بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وبكل ما جاء به عن الله تعالى، ومعظمه الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، ولذلك استأنف قوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي الخلق العالي جداً من تقديم التصدق قبل المناجاة يا خير الخلق، ولعله أفرده بالخطاب لأنه لا يعلم كل ما فيه من الأسرار غيره‏.‏

وعاد إلى الأول فقالك ‏{‏خير لكم‏}‏ أي في دينكم من الإمساك عن الصدقة ‏{‏وأطهر‏}‏ لأن الصدقة طهرة ونماء وزيادة في كل خير، ولذلك سميت زكاة ‏{‏خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها‏}‏ والتعبير بأفعل لأنهم مطهرون قبله بالإيمان‏.‏

ولما أمر بذلك، وكانت عادته أن لا يكلف بما فوق الوسع للتخفيف على عباده لا سيما هذه الأمة قال‏:‏ ‏{‏فإن لم تجدوا‏}‏ أي ما تقدمونه‏.‏

ولما كان المعنى الكافي في التخفيف‏:‏ فليس عليكم شيء، دل عليه بأحسن منه فقال‏:‏ ‏{‏فإن الله‏}‏ أي الذي له جميع صفات الكمال، وأكده لاستبعاد مثله فإن المعهود من الملك إذا ألزم رعيته بشيء أنه لا يسقطه أصلاً ورأساً، ولا سيما إن كان يسيراً، ودل على أنه سبحانه لن يكلف بما فوق الطاقة بقوله‏:‏ ‏{‏غفور رحيم *‏}‏ أي له صفتا الستر للمساوئ والإكرام بإظهار المحاسن ثابتتان على الدوام فهو يغفر ويرحم تارة بعدم العقاب للعاصي وتارة للتوسعة للضيق بأن ينسخ ما يشق إلى ما يخف، وهذه الآية قيل‏:‏ إنها نسخت قبل العمل بها، وقال علي رضي الله عنه‏:‏ ما عمل بها أحد غيري، أردت المناجاة ولي دينار فصرفته بعشرة دراهم وناجيته عشر مرات أتصدق في كل مرة بدرهم، ثم ظهرت فشق ذلك على الناس، فنزلت الرخصة في ترك الصدقة، «وروى النسائي في الكبرى والترمذي وقال‏:‏ حسن غريب وابن حبان وأبو يعلى والبزار عن علي رضي الله عنه أنه قال‏:‏ لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏» مرهم أن يتصدقوا «‏.‏ قلت‏:‏ بكم يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏» بدينار «، قلت‏:‏ لا يطيقون‏.‏ قال‏:‏» فنصف دينار «، قلت‏:‏ لا يطيقون، قال‏:‏» فبكم‏؟‏ «قلت‏:‏ بشعيرة‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏» إنك لزهيد «، فأنزل الله تعالى ‏{‏أأشفقتم‏}‏ الآية‏.‏ وكان علي رضي الله عنه يقول‏:‏ بي خفف الله عن هذه الأمة‏.‏ وعدم عمل غيره لا يقدح فيه لاحتمال أن يكون لم يجد عند المناجاة شيئاً أو أن لا يكون احتاج إلى المناجاة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 15‏]‏

‏{‏أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏13‏)‏ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏14‏)‏ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏15‏)‏‏}‏

ولما دل ختم الآية على التخفيف، وكان قد يدعي مدعون عدم الوجدان كذباً فيحصل لهم حرج، وكان تعالى شديد العناية بنجاة هذه الأمة، دل على لطفه بهم بنسخه بعد فرضه‏.‏ فقال موبخاً لمن يشح على المال نادباً إلى الخروج عنه من غير إيجاب‏:‏ ‏{‏أأشفقتم‏}‏ أي خفتم من العيلة لما يعدكم به الشيطان من الفقر خوفاً كاد أن يفطر قلوبكم ‏{‏أن تقدموا‏}‏ أي بإعطاء الفقراء وهم إخوانكم ‏{‏بين يدي نجواكم‏}‏ أي للرسول صلى الله عليه وسلم، وجمع لأنه أكثر توبيخاً من حيث إنه يدل على أن النجوى تتكرر، وذلك يدل على عدم خوفهم من مشقة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ووجود خوفهم من فعل التصدق فقال‏:‏ ‏{‏صدقات‏}‏ وكان بعضهم ترك وهو واجد فبين سبحانه رحمته لهم بنسخها عنهم لذلك في موضع العقاب لغيرهم عند الترك‏.‏

ولما كان من قبلنا إذا كلفوا الأمر الشاق وحملوا على التزامه بمثل رفع الجبل فوقهم، فإذا خالفوا عوقبوا، بين فضل هذه الأمة بأنه خفف عنهم، فقال معبراً بما قد يعشر بأن بعضهم ترك عن قدرة‏:‏ ‏{‏فإذ‏}‏ أي فحين ‏{‏لم تفعلوا‏}‏ أي ما أمرتم به من الصدقة للنجوى بسبب هذا الإشفاق ‏{‏وتاب الله‏}‏ أي الملك الأعلى الذي كان من شأن ما هو عليه من العظمة أن يعاقب من ترك أمره ‏{‏عليكم‏}‏ أي رجع بمن ترك الصدقة عن وجدان، وبمن تصدق وبمن لم يجد إلى مثل حاله قبل ذلك من سعة الإباحة والعفو والتجاوز والمعذرة والرخصة والتخفيف قبل الإيجاب ولم يعاقبكم على الترك ولا على ظهور اشتغال ذلك منكم، قال مقاتل بن حيان‏:‏ كان ذلك عشر ليال ثم نسخ، وقال الكلبي‏:‏ ما كانت إلا ساعة من نهار‏.‏ وعلى كل منهما فهي لم تتصل بما قبلها نزولاً وإن اتصلت بها تلاوة وحلولاً ‏{‏فأقيموا‏}‏ بسبب العفو عنكم شكراً على هذا الكرم والحلم ‏{‏الصلاة‏}‏ التي هي طهرة لأرواحكم ووصلة لكم بربكم ‏{‏وآتوا الزكاة‏}‏ التي هي نزاهة لأبدانكم وتطهير ونماء لأموالكم وصلة بإخوانكم، ولا تفرطوا في شيء من ذلك فتهملوه، فالصلاة نور تهدي إلى المقاصد الدنيوية والأخروية، وتعين على نوائب الدارين، والصدقة برهان على صحة القصد في الصلاة‏.‏

ولما خص أشرف العبادات البدنية وأعلى المناسك المالية، عم فقال حاثاً على زيادة النور والبرهان اللذين بهما تقع المشاكلة في الأخلاق فتكون المناجاة عن أعظم إقبال وإنفاق فقال‏:‏ ‏{‏وأطيعوا الله‏}‏ أي الذي له الكمال كله فلم يشركه في إبداعه لكم على ما أنتم عليه أحد ‏{‏ورسوله‏}‏ الذي عظمته من عظمته في سائر ما يأمر به فإنه ما أمركم لأجل إكرام رسولكم صلى الله عليه وسلم إلا بالحنيفية السمحة، وجعل المحافظة على ذلك قائمة مقام ما أمركم به، ثم نسخه عنكم من تقديم الصدقة على النجوى‏.‏

ولما كان قد عفا عن أمر أشعر السياق بأنه وقع فيه تفريط، فكان ذلك ربما جرى على انتهاك الحرمات، رهب من جنابه بإحاطة العلم، وعبر بالخبر لأن أول الآية وبخ على أمر باطن ولم يبالغ بتقديم الجار لما فيها من الأمور الظاهرة‏.‏ فقال عاطفاً على ما تقديره‏:‏ فالله يحب الذين يطيعون‏:‏ ‏{‏والله‏}‏ أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً ‏{‏خبير بما تعملون *‏}‏ أي تجددون عمله، يعلم بواطنه كما يعلم ظواهره‏.‏

ولما أخبر بإحاطة علمه ردعاً لمن يغتر بطول حلمه، دل على ذلك باطلاعه على نفاق المنافقين الذي هو أبطن الأشياء، فقال معجباً مرهباً معظماً للمقام بتخصيص الخطاب بأعلى الخلق صلى الله عليه وسلم تنبيهاً على أنه لا يفهم ذلك حق فهمه غيره‏:‏ ‏{‏ألم تر‏}‏ ودل على بعدهم عن الخير بحرف الغاية فقال‏:‏ ‏{‏إلى الذين تولوا‏}‏ أي تكلفوا بغاية جهدهم أن جعلوا أولياءهم الذين ينزلون بهم أمورهم ‏{‏قوماً‏}‏ ابتغوا عندهم العزة اغتراراً بما يظهر لهم منهم من القوة ‏{‏غضب الله‏}‏ أي الملك الأعلى الذي لا ند له ‏{‏عليهم‏}‏ أي على المتولين والمتولَّين لأنهم قطعوا ما بينهم وبينه، والأولون هم المنافقون تولوا اليهود، وزاد في الشناعة عليهم بقوله مستأنفاً‏:‏ ‏{‏ما هم‏}‏ أي اليهود المغضوب عليهم ‏{‏منكم‏}‏ أيها المؤمنون لتوالوهم خوفاً من السيف ورغبة في السلم ‏{‏ولا منهم‏}‏ أي المنافقين، فتكون موالاتهم لهم لمحبة سابقة وقرابة شابكة، ليكون ذلك لهم عذراً، بل هم مذبذبون، فهم مع المؤمنين بأقوالهم، ومع الكفار بقلوبهم، فما تولوهم إلا عشقاً في النفاق لمقاربه ما بينهم فيه، أو يكون المعنى‏:‏ ما المنافقون المتولون من المسلمين ولا من اليهود المتولين، وزاد في الشناعة عليهم بأقبح الأشياء الحالم على كل رذيلة، فقال ذاكراً لحالهم في هذا الاتحاد‏:‏ ‏{‏ويحلفون‏}‏ أي المنافقون يجددون الحلف على الاستمرار، ودل بأداة الاستعلاء على أنهم في غاية الجرأة على استمرارهم على الأيمان الكاذبة بأن التقدير‏:‏ مجترئين ‏{‏على الكذب‏}‏ في دعوى الإسلام وغير ذلك مما يقعون فيه من عظائم الآثام، فإذا عوتبوا عليه بادروا إلى الإيمان‏.‏

ولما كان الكذب قد يطلق في اللغة على ما يخالف الواقع وإن كان عن غير تعمد بأن يكون الحالف يجهل عدم مطابقته للواقع، قال نافياً لذلك مبيناً أنهم جرؤوا على اليمين الغموس‏:‏ ‏{‏وهم يعلمون *‏}‏ أي أنهم كاذبون فهم متعمدون، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه‏:‏ «» يدخل عليكم رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان «، فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق أسمر قصيراً خفيف اللحية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏» علام تشتمني أنت وأصحابك، فحلف بالله ما فعل «فقال له‏:‏ فعلت‏.‏ فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه»

، فنزلت‏.‏

ولما أخبر عن حالهم، أتبعه الإخبار عن مآلهم، فقال دالاًّ- كما قال القشيري- على أن- من وافق مغضوباً عليه أشرك نفسه في استحقاق غضب من هو غضبان عليه، فمن تولى مغضوباً عليه من قبل الله استوجب غضب الله وكفى بذلك هواناً وحزناً وحرماناً، معبراً بما دل على أنه أمر قد فرغ منه‏:‏ ‏{‏أعد الله‏}‏ أي الذي له العظمة الباهرة فلا كفوء له، وعبر بما دل على التهكم بهم فقال‏:‏ ‏{‏لهم عذاباً‏}‏ أي أمراً قاطعاً لكل عذوبة ‏{‏شديداً‏}‏ يعلم من رآه ورآهم أن ذواتهم متداعية إليه ضعيفة عنه‏.‏

ولما أخبر بعذابهم، علله بما دل على أنه واقع في أتم مواقعه فقال مؤكداً تقبيحاً على من كان يستحسن أفعالهم‏:‏ ‏{‏إنهم ساء‏}‏ أي بلغ الغاية مما يسوء، ودل على أن ذلك كان لهم كالجبلة بقوله‏:‏ ‏{‏ما كانوا يعملون *‏}‏ أي يجددون عمله مستمرين عليه لا ينفكون عنه من غشهم المؤمنين ونصحهم الكافرين وعيبهم للإسلام وأهله، واجترائهم على الأيمان الكاذبة، وأصروا على ذلك حتى زادهم التمرن عليه جرأة على جميع المعاصي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 19‏]‏

‏{‏اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏16‏)‏ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏17‏)‏ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ‏(‏18‏)‏ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

ولما دلت هذه الجملة على سوء أعمالهم ومداومتهم عليها، أكد ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏اتخذوا‏}‏ أي كلفوا فطرهم الأولى المستقيمة لما لهم من العراقة في اعوجاج الطبع والمحبة للأذى ‏{‏أيمانهم‏}‏ الكاذبة التي لا تهون على من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ‏{‏جنة‏}‏ أي وقاية وسترة من كل ما يفضحهم من النفاق كائناً ما كان، أو يوجب قتلهم بما يقع منهم من الكفران‏.‏

ولما كان علمهم بأنه يرضى منهم بالظاهر ويصدق أيمانهم هو الذي جرأهم على العظائم، فكانوا يرغبون الناس في النفاق بعاجل الشهوات ويثبطونهم عن الدين بما فيه من عاجل الكلف وآجل الثواب، سبب عن قبول إيمانهم قوله مظهراً بزيادة التوبيخ لهم‏:‏ ‏{‏فصدوا‏}‏ أي كان قبول ذلك منهم وتأخير عقابهم سبباً لإيقاعهم الصد ‏{‏عن سبيل الله‏}‏ أي شرع الملك الأعلى الذي هو الطريق إلى رضوانه الذي هو سبب الفوز الأعظم، فإنهم كانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ويوهون أمره ويحقرونه، ومن رآهم قد خلصوا من المكاره بأيمانهم الحانثة وردت عليهم الأرزاق استدراجاً وحصلت لهم الرفعة عند الناس بما يرضونهم من أقوالهم المؤكدة بالأيمان غره ذلك فاتبع سنتهم في أقوالهم وأفعالهم، ونسج على منوالهم، غروراً بظاهر أمرهم، معرضاً عما توعدهم الله سبحانه عليه من جزاء خداعهم ومكرهم، وأجرى الأمر على أسلوب التهكم باللام التي تكون في المحبوب فقال‏:‏ ‏{‏فلهم‏}‏ أي فتسبب عن صدهم أنهم كان لهم ‏{‏عذاب مهين *‏}‏ جزاء بما طلبوا بذلك الصد إعزاز أنفسهم وإهانة أهل الإسلام‏.‏

ولما كان لهم أموال وأولاد يتعززون بها، قال مستأنفاً دالاًّ على أن من استتر بجنة دون طاعته لتسلم دنياه وراءه تكشف لسهام التقدير من حيث لا يشعر، ثم لا دينه يبقى ولا دنياه تسلم‏:‏ ‏{‏لن تغني‏}‏ أي بوجه من الوجوه ‏{‏عنهم‏}‏ أي في الدنيا ولا في الآخرة بالافتداء ولا بغيره ‏{‏أموالهم‏}‏ وأكد النفي بإعادة النافي للتنصيص على كل منهما فقال‏:‏ ‏{‏ولا أولادهم‏}‏ أي بالنصرة والمدافعة ‏{‏من الله‏}‏ إي إغناء مبتدئاً من الملك الأعلى الذي لا كفوء له ‏{‏شيئاً‏}‏ أي من إغناء ولو قل جدّاً، فمهما أراد بهم سبحانه كان ونفد ومضى، لا يدفعه شيء تكذيباً لمن قال منهم‏:‏ لئن كان يوم القيامة لتكونن أسعد فيه منكم كما نحن الآن ولننصرن بأنفسنا وأموالنا وأولادنا‏.‏ ولما انتفى الإغناء المبتدئ من الله فانتفى بانتفائه كل إغنائه سواه، أنتج ذلك قوله‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي البعداء من كل خير ‏{‏أصحاب النار‏}‏ ولما أفهمت الصحبة الملازمة، أكدها بقوله‏:‏ ‏{‏هم‏}‏ أي خاصة لاضمحلال عذاب غيرهم- لكونهم في الهاوية- في جنب عذابهم ‏{‏فيها‏}‏ أي خاصة دون شيء يقصر عنها ‏{‏خالدون *‏}‏ أي مقيمون باقون دائمون لازمون إلى غير نهاية‏.‏

ولما كان إفسادهم لذات البين سراً، وحلفهم على نفي ذلك جهراً مع الإلزام بقبول ما ظهر من ذلك منهم مع علمه سبحانه وتعالى بأنه كذب غائظاً موجعاً، وكان ربما توهم متوهم أنه تعالى كما ألزم بقبولنا لما ظهر منهم في دار العمل يأمر بقبولهم في دار الجزاء، قال نافياً لذلك معزياً للمؤمنين بأنهم يفعلون ذلك معه سبحانه بعد كشف الغطاء وتحقيق الأمور، لأن الإنسان يبعث على ما مات عليه، لأن ذلك جبلته التي لا ينفك عنها، ولا ينفعهم ذلك، ذاكراً ظرف الخلود وإظهار التعذيب‏:‏ ‏{‏يوم يبعثهم الله‏}‏ أي الملك الذي له جميع صفات الكمال بإحيائهم عما كانوا فيه من الموت وردهم إلى ما كانوا قبله ‏{‏جميعاً‏}‏ لا يترك أحداً منهم ولا من غيرهم إلا أعاده إلى ما كان عليه قبل موته ‏{‏فيحلفون‏}‏ أي فيتسبب عن ظهور القدرة التامة لهم ومعاينة ما كانوا يكبون به من البعث والنار أنهم يحلفون ‏{‏له‏}‏ أي الله في الآخرة أنهم مسلمون فيقولون‏:‏ والله ربنا ما كنا مشركين، ونحوه من الأكذوبات التي تزيدهم ضرراً، ولا تغني عنهم شيئاً بوجه من الوجوه، جرياً على ما طبعوا عليه من إيثار الهوى والقصور على النظر في المحسوسات التي ألفوها ‏{‏كما يحلفون‏}‏ في الدنيا ‏{‏لكم‏}‏ لكونكم لا تعلمون الغيب مع توقعهم أن الله يفضحهم كما فعل لهم ذلك مراراً، وحلفهم ناشئ عن اعتقاد بعدهم من القبول فإنه لا يحلف لك إلا من يظن أنك تكذبه‏:‏ قال القشيري‏:‏ عقوبتهم الكبرى ظنهم الأجنبية، وغاية الجهد كبهم على مناخرهم في وهدة ندمهم‏.‏

ولما كان الذي يحملهم على الإقدام على ذلك ضعف عقولهم وتوغلهم في النفاق ومرودهم عليه حتى بعثوا على مثل ذلك مع علمهم بأن ذلك لا ينجيهم لإحاطة علمه سبحانه، عبر بالحسبان، فقال دالاًّ على أنهم في الغاية من الجهل وقلة العقل‏:‏ ‏{‏ويحسبون‏}‏ أي في القيامة بأيمانهم الكاذبة ‏{‏أنهم على شيء‏}‏ أي يحصل لهم به نفع لتخيلهم أن أيمانهم تروج على الله فتنجيهم كما كانت في الدنيا تنجيهم‏.‏

ولما أفهم ذلك أن أمورهم لا حقائق لها لا في إخباراتهم ولا في أيمانهم ولا في حسبانهم، قال منادياً عليهم مؤكداً لتكذيب حسبانهم‏:‏ ‏{‏ألا إنهم‏}‏ أي خاصة ‏{‏هم الكاذبون *‏}‏ أي المحكوم بكذبهم في حسبانهم وفي أخبارهم في الدارين لعراقتهم في وصف الكذب حيث لا يستحيون من الكذب عند الله‏.‏

ولما كان هذا الانهماك فيما لا يغني مما يحصل لسامعه غاية العجب من وقوع عاقل فيه مرة من الدهر، فضلاً عن ملازمته، أخبر عن الحامل لهم عليه، فقال مستأنفاً‏:‏ ‏{‏استحوذ‏}‏ أي طلب أن يغلب ويسوق ويسرع ويضرب الحوطة ويحث ويقهر ويستولي ‏{‏عليهم الشيطان‏}‏ مع أنه طريد ومحترق، ووجد منه جميع ذلك، ووصل منهم إلى ما يريده، وملكهم ملكاً لم يبق لهم معه اختيار فصاروا رعيته وأقطاعه، وصار هو محيطاً بهم من كل جهة، غالباً عليهم ظاهراً وباطناً، من قولهم‏:‏ حذت الإبل أي استوليت عليها، وحاذ الحمار العانة- إذا جمعها وساقها غالباً لها، والحوذ‏:‏ السوق السريع، ومنه الأحوذي‏:‏ الخفيف في المشي لحدقه، وجاء على الأصل على حكم الصحيح لأنه لم يبن على حاذ كافتقر فإنه لا مجرد له، لم يقولوا‏:‏ فقر‏:‏ ‏{‏فأنساهم‏}‏ أي فتسبب عن استحواذه عليهم أنه أنساهم ‏{‏ذكر الله‏}‏ أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى بعد أن كان ذكره مركوزاً في فطرهم الأولى، فصاروا لا يذكرونه أصلاً بقلب، ولا لسان‏.‏

ولما كان ذلك، أنتج ولا بد قوله‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي الذين أحلوا أنفسهم أبعد منزل ‏{‏حزب الشيطان‏}‏ أي أتباعه وجنده وجماعته وطائفته وأصحابه والمحدقون به والمتحيزون إليه لدفع ما حزبه أي نابه واشتد عليه، المبعدون المحترقون لأنهم تبعوه ولم يخافوا في مجازيته وإنفاذ ما يريد لومة لائم مع أنه كله نقائص ومعايب، وهم مطبوعون على بغضه، وتركوا من له الكمال كله، وكر وحبه مركوز في فطرهم، فلذلك كانت ترجمة هذا ونتيجته قوله‏:‏ ‏{‏ألا‏}‏ وأكد لظنهم الريح بما لهم في الدنيا من الكثرة وظهرو التعاضد والاستدراج بالبسط والسعة فقال‏:‏ ‏{‏إن حزب الشيطان‏}‏ أي الطريد المحترق ‏{‏هم‏}‏ أي خاصة ‏{‏الخاسرون *‏}‏ أي العريقون في هذا الوصف لأنهم لم يظفروا بغير الطرد والاحتراق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 22‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ‏(‏20‏)‏ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ‏(‏21‏)‏ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

ولما بين ما أوصلهم إليه نسيان الذكر من الخسار، بين أنه أوقعهم في العداوة، فقال معللاً الخسار والنسيان والتحزب، وأكد تكذيباً لحالفهم على نفي ذلك مظهراً موضع الإضمار للتنبيه على الوصف الموقع في الهلاك‏:‏ ‏{‏إن الذين يحادون‏}‏ ولعل الإدغام لسترهم ذلك الإيمان، ويفهم منه الحكم على من جاهر بطريق الأولى ‏{‏الله‏}‏ أي يفعلون مع الملك الأعظم الذي لا كفوء له فعل من ينازع آخر في أرض فيغلب على طائفة منها فيجعل لها حداً لا يتعداه خصمه ‏{‏ورسوله‏}‏ الذي عظمته من عظتمه‏.‏

ولما كانوا لا يفعلون ذلك إلا لكثرة أعوانهم وأتباعهم، فيظن من رآهم أنهم الأعزاء الذين لا أحد أعز منهم، قالتعالى نفياً لهذا الغرور الظاهر‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي الأباعد الاسافل ‏{‏في الأذلين *‏}‏ أي الذين يعرفون أنهم أذل الخلق بحيث يوصف كل منهم بأنه الأذل مطلقاً من غير مفضل عليه ليعم كل من يمكن منه ذل، وذلك في الدنيا والآخرة سواء كانوا فارس والروم أو أعظم منهم سواء كانوا ملوكاً كفرة كانوا أو فسقة، كما قال الحسن‏:‏ إن للمعصية في قلوبهم لذلاً، وإن طقطقت بهم اللجم‏.‏ ولما أنزلهم بالحضيض الأسفل، علل ذلك بما يدل على أنه سبحانه لا شريك له بإتمام كلماته بنصر أوليائه على ضعفهم وخذلان أعدائه على قوتهم لأنه سبحانه لا غيب محض لا دلالة عليه إلا بأفعاله فقال‏:‏ ‏{‏كتب‏}‏ أي فعل فعل من أبرم أمراً ففرغ منه وكتبه فأوجب وحتم وقضى وبت ‏{‏الله‏}‏ أي الملك الذي لا كفوء له ‏{‏لأغلبنَّ‏}‏ أكد لما لهم من ظن الغلب بالكثرة والقوة ‏{‏أنا ورسلي‏}‏ أي بقوة الجدال وشدة الجلاد، فهو صادق بالنسبة إلى من بعث بالحرب، وإلى من بعث بالحجة، وعلل هذا القهر بقوله مؤكداً لأن أفعالهم مع أوليائه أفعال من يظن ضعفه‏:‏ ‏{‏إن الله‏}‏ أي الذي له الأمر كله ‏{‏قوي‏}‏ فهو يفيض من باطن قوته من يظهر به ظاهر قدرته أوليائه، فإن القوي من له استقلال باطن بما يحمله القائم في الأمر ولو ضوعف عليه ما عسى أن يضاعف وحمايته مما يتطرق إلى الإجلال بشدة وبطش منبعث عن ذلك الاستقلال الباطن، وما ظهر من أثر ذلك فهو قدرة، فلا اقتدار يظهر من الخلق إلا بالاستناد إلى القوة بالله، ولا قيام بالحقيقة لباطن إلا بالله الذي بيده ملكوت كل شيء، فلذلك كان بالحقيقة لا قوي إلا هو‏.‏

ولما كان القوي من المخلوقات قد يكون غيره أقوى من غيره ولو في وقت، نفى ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏عزيز *‏}‏ أي غالب غلبة لا يجد معها المغلوب نوع مدافعة وانفلات، ثابت له هذا الوصف دائماً‏.‏

ولما ظهر بهذا كالشمس أن من والاه سبحانه كان فائزاً، ومن عاداه كان خاسراً، كانت نتيجته قطعاً التحذير من موالاة أعداء الله في سياق النفي المفيد للمبالغة في النهي عنه والزجر عن قربانه فقال‏:‏ ‏{‏لا تجد‏}‏ أي بعد هذا البيان ‏{‏قوماً‏}‏ أي ناساً لهم قوة على ما يريدون محاولته ‏{‏يؤمنون‏}‏ أي يجددون الإيمان ويديمونه ‏{‏بالله‏}‏ أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى ‏{‏واليوم الآخر‏}‏ الذي هو موضع الجزاء لكل عامل بكل ما عمل، الذي هو محط الحكمة ‏{‏يوادون‏}‏ أي يحصل منهم ودل لا ظاهراً ولا باطناً- بما أشار إليه الإدغام وأقله الموافقة في المظاهرة ‏{‏من حاد الله‏}‏ أي عادى بالمناصبة في الحدود الملك الأعلى لذلك فالمحادة لا تخفى وإن كانت باطنة يستتر بها زيادة النفرة منهم ‏{‏ورسوله‏}‏ فإن من حاده فقد حاد الذي أرسله، بل لا تجدهم إلا يحادونهم، لا أنهم يوادونهم، وزاد ذلك تأكيداً بقوله‏:‏ ‏{‏ولو كانوا آباءهم‏}‏ الذين أوجب الله على الأبناء طاعتهم بالمعروف، وذلك كما فعل أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، قتل أباه عبد الله بن الجرح يوم أحد ‏{‏أو آبناءهم‏}‏ الذي جبلوا على محبتهم ورحمتهم كما فعل أبو بكر رضي الله عنه فإنه دعا ابنه يوم بدر إلى المبارزة، وقال‏:‏ دعني يا رسول الله أكن في الرعلة الأولى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

«متعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم أنك بمنزلة سمعي وبصري» ‏{‏أو إخوانهم‏}‏ الذين هم أعضادهم كما فعل مصعب بن عمير رضي الله عنه، قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد وخرق سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الصفوف يومئذ على أخيه عتبة بن أبي وقاص غير مرة ليقتله فراع عنه روعان الثعلب، فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ أتريد أن تقتل نفسك وقتل محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله عنه أخاه من الرضاع كعب بن الأشرف اليهودي رأس بني النضير ‏{‏أو عشيرتهم‏}‏ الذين هم أنصارهم وأمدادهم كما فعل عمر رضي الله عنه، قتل خاله العاصي بن هشام بن المغيرة يوم بدر وعلي وحمزة وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم قتلوا يوم بدر بني عمهم عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة، وعن الثوري أن السلف كانوا يرون أن الآية نزلت فيمن يصحب السلطان- انتهى‏.‏ ومدار ذلك على أن الإنسان يقطع رجاءه من غير الله، وإن لم يكن كذلك لم يكن مخلصاً في إيمانه‏.‏

ولما كان لا يحمل على البراءة ممن هذا شأنه إلا صريح الإيمان، أنتج قوله‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي الأعظمون شأناً الأعلون همماً ‏{‏كتب‏}‏ أي وصل وأثبت وصلاً وهو في لحمته كالخرز في الأديم، وكالطراز في الثوب الرقيم، فلا انفكاك له ‏{‏في قلوبهم الإيمان‏}‏ فجعلها أوعية له فأثمر ذلك نور الباطن واستقامة الأعمال في الظاهر ‏{‏وأيدهم‏}‏ أي قواهم وشددهم وأعانهم وشجعهم وعظمهم وشرفهم ‏{‏بروح‏}‏ أي نور شريف جداً يفهمون به ما أودع في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من كنوز العلم والعمل فهو لقلوبهم كالروح للأبدان، فلا يفعلون شيئاً من أحوال أهل الجاهلية كالمظاهرة، وزاد هذا التأييد شرفاً بقوله‏:‏ ‏{‏منه‏}‏ أي أحياهم به فلا انفكاك لذلك عنهم في وقت من الأوقات فأثمر لهم استقامة المناهج ظاهراً وباطناً، فقهروا بالدلائل والحجج، وظهروا بالسيف المفني للمهج، وعملوا الأعمال الصالحة فكانوا للدنيا كالسرج، فلا تجد شيئاً أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، بل هو عين الإخلاص، ومن جنح إلى منحرف عن دينه أو داهن مبتدعاً في عقده نزع الله نور التوحيد من قلبه‏.‏

ولما أخبر بما آتاهم في الدنيا وهو غير مفارق لهم في الآخرة، أخبر بما يؤتيهم في الآخرة فقال‏:‏ ‏{‏ويدخلهم جنات‏}‏ أي بساتين يستر داخلها من كثرة أشجارها، وأخبر عن ريها بقوله‏:‏ ‏{‏تجري‏}‏ ولما كانت المياه لو عمت الأرض لم يكن بها مستقر، أثبت الجار فقال‏:‏ ‏{‏من تحتها الأنهار‏}‏ أي فهي لذلك كثيرة الرياض والأشجار والساحات والديار‏.‏ ولما كان ذلك لا يلذ إلا بالدوام قال‏:‏ ‏{‏خالدين فيها‏}‏‏.‏

ولما كان ذلك لا يتم إلا برضا مالكها قال‏:‏ ‏{‏رضي الله‏}‏ أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله فلا التفات إلى غيره ‏{‏عنهم‏}‏ ولما كان ذلك لا يكمل سروره إلا برضاهم ليتم حسن المجاورة قال‏:‏ ‏{‏ورضوا عنه‏}‏ أي لأنه أعطاهم فوق ما يؤملون‏.‏ ولما أخبر عنهم بما يسر كل سامع فيشتاق إلى مصاحبتهم ومعاشرتهم ومرافقتهم ومقاربتهم ومدحهم وعرفهم بقوله‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي الذين هم في الدرجة العليا من العظمة لكونهم قصروا ودهم على الله علماً منهم بأنه ليس النفع والضر إلا بيده ‏{‏حزب الله‏}‏ أي جند الملك الأعلى الذي أحاط بجميع صفات الكمال وأولياءه، فإنهم هم يغضبون له ولا يخافون فيه لومة لائم‏.‏ ولما تبين مما أعد لهم وأعد لأضدادهم أنهم المختصون بكل خير، قال على طريق الإنتاج مما مضى مؤكداً لما لأضدادهم من الأنكاد‏:‏ ‏{‏ألا إن حزب الله‏}‏ أي جند الملك الأعلى وهم هؤلاء الموصوفون ومن والاهم ‏{‏هم‏}‏ أي خاصة لا غيرهم ‏{‏المفلحون *‏}‏ أي الذين حازوا الظفر بكل ما يؤملون في الدارين، وقد علم من الرضى من الجانبين والحزبية والإفلاح عدم الانفكاك عن السعادة فأغنى ذلك عن تقييد الخلود بالتأييد، خصهم بذلك لأن له العزة والقوة والعلم والحكمة، فلذلك علم أمر المجادلة ورحم شكواها لأنها من حزبه وسمع لها، ومن سمع له فهو مرضي عنه، وحرم الظهار بسبب شكواها إكراماً لها بحكمته لأنه منابذ للحكمة لأنه تشبيه خارج عن قادة التشبيهات، وفيه امتهان للأم التي لها في دينه غاية الإكرام بالتسوية بالزوجة التي هي محل الافتراش، وختم آيها بأن من تعدى حدوده فعاود أحوال الجاهلية فهو مجادله سبحانه فهو من حزب الشيطان، فقد عاد آخرها إلى أولها بأدل دليل على أحسن سبيل، لأن هذا القرآن العظيم أشرف حديث وأقوم قيل وهذا مقصود التي بعدها، ولا شك أنه موجب للتنزيه مبعد عن التشريك والتشبيه، فسبحان من أنزله آية دائمة البيان، موجبة للإيمان، قامعة للطغيان، على مدى الدهور وتطاول الأزمان‏.‏

سورة الحشر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏1‏)‏ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ‏(‏2‏)‏‏}‏

لما ختمت المجادلة بأنه معز أهل طاعته، ومذل أهل معصيته ومحادته، علله بتنزهه عن النقائص تأييداً للوعد بنصرهم فقال‏:‏ ‏{‏سبح‏}‏ أي أوقع التنزيه الأعظم عن كل شائبة نقص ‏{‏لله‏}‏ الذي أحاط بجميع صفات الكمال‏.‏

ولما كان الكفار من جميع بني آدم قد عبد بعضهم الشمس وبعضهم القمر وبعضهم غيرهما من الكواكب، وكانت الكواكب مبثوثة في السماوات كلها لا تخص سماء بعينها وكذا الملائكة، جمع دلالة على أن الكل عبيد فقال‏:‏ ‏{‏ما في السماوات‏}‏ أي كلها‏.‏ ولما كان الكلام في النهي عن موادة الذي يحادون الله، وكان ذلك لمن دون الخلص، أكد بإعادة النافي لاحتياجهم للتأكيد فقال‏:‏ ‏{‏وما‏}‏ ولما كان جميع ما عبدوه ما أشركوا به من الأرضيات من شجر وصنم وبقر وغيرها لا يعد والأرض التي هم عليها، أفرد فقال‏:‏ ‏{‏في الأرض‏}‏‏.‏

ولما شمل هذا جميع العالم، أشار إلى أن عظمته لا تنتهي فقال‏:‏ ‏{‏وهو‏}‏ أي والحال أنه وحده ‏{‏العزيز‏}‏ الذي يغلب كل شيء ولا يمتنع عليه شيء ‏{‏الحكيم *‏}‏ الذي نفذ علمه في الظواهر والبواطن وأحاط بكل شيء فأتقن ما أراد، فكل ما خلقه جعله على وحدانيته دليلاً، وإلى بيان ما له من العزة والحكمة سبيلاً‏.‏

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير‏:‏ لا خفاء باتصال أيها بما تأخر من آي سورة المجادلة، ألا ترى أن قوله تعالى ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم‏}‏ إنما يراد به يهود فذكر سبحانه سوء سريرتهم وعظيم جرأتهم ثم قال في آخر السورة ‏{‏لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله‏}‏ فحصل من هذا كله تنفير المؤمنين عنهم وإعلامهم بأن بغضهم من الإيمان وودهم من النفاق لقبيح ما انطووا عليه وشنيع ما ارتكبوه، فلما أشارت هذه الآي إلى ما ذكر أتبعت بالإعلام في أول سورة الحشر بما عجل لهم من هوانهم وإخراجهم من ديارهم وأموالهم وتمكين المسلمين منهم، جرياً على ما تقدم الإيماء إليه سوء مرتكبهم، والتحمت الآي باتحاد المعنى وتناسبه، وتناسج الكلام، وافتتحت السورة بالتنزيه لبنائها على ما أشار إليه غضبه تعالى عليهم إذ لا يكون إلا على أعظم جريمة وأسوأ مرتكب وهو اعتداؤهم وعصيانهم المفصل في مواضع من الكتاب وقد قال تعالى فيهم بعد ذكر غضبه عليهم ‏{‏أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 60‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 78‏]‏ فبين تعالى أن لعنته إياهم إنما ترتبت على عصيانهم واعتدائهم، وقد فصل اعتداءهم أيضاً في مواضع، فلما كان الغضب مشيراً إلى ما ذكر من عظيم الشرك، أتبعه سبحانه وتعالى تنزيه نفسه جل وتعالى فقال‏:‏ ‏{‏سبح لله ما في السماوات وما في الأرض‏}‏ وإنما يرد مثله من التنزيه أثر جريمة تقع من العباد وعظيمة يرتكبونها وتأمل ذلك حيث وقع، ثم عاد الكلام إلى الإخبار بما فعل تعالى بأهل الكتاب مما يتصل بما تقدم، ثم تناسجت الآي- انتهى‏.‏

ولما نزه نفسه الأقدس دل على ذلك التنزه على العزة والحكمة بدليل شهودي من أنه أنفذ ما كتب من أنه يغلب هو ورسله ومن أنه كبت الذين حادوه وخيب ظن الذين نافقوا، فتولوا اليهود من أهل الكتاب ليعتزوا بهم، فأذل اليهود وطردهم من مهبط الوحي وأخزى المنافقين الذين جعلوهم محط اعتمادهم وموضع ولايتهم وودادهم، فقال‏:‏ ‏{‏هو‏}‏ أي وحده من غير إيجاف خيل ولا ركاب ‏{‏الذي أخرج‏}‏ على وجه القهر ‏{‏الذين كفروا‏}‏ أي ستروا ما في كتبهم من الشواهد التي تشهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بأنه النبي الخاتم وما في فطرهم الأولى من أن اتباع الحق أحق، وقبح عليهم كفرهم بقوله موضع ‏{‏من بني النضير‏}‏ أو ‏{‏اليهود‏}‏ مثلاً‏:‏ ‏{‏من أهل الكتاب‏}‏ أي الذي أنزله الله على رسوله موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم، وفي التعبير ب ‏{‏كفروا‏}‏ إشعار بأنهم الذين أزالوا بالتبديل أو الإخفاء ما قدروا عليه مما بقي من التوراة دالاًّ على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

ولما كان الوطن عديل الروح لأنه للبدن كالبدن للروح، فكان الخروج منه في غاية العسر، دل على مزيد قهرهم به بأن قال‏:‏ ‏{‏من ديارهم‏}‏ ولما كان كان منهم من جلا من المدينة الشريفة إلى خيبر، وهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب ولحق سائرهم بأريحا من أرض الشام أرض المحشر، ولحق بعضهم بالحيرة، لوح إلى فتح خيبر وحشرهم منها حشراً ثانياً بقوله معللاً أو موقتاً‏:‏ ‏{‏لأول‏}‏ أي لأجل أول أو عند أول ‏{‏الحشر‏}‏ وفي ذلك إشارة إلى أن كل بلد حشروا إليه سيفتح، ويزلزلون منه زلزلة أخرى، لا تزال مصائبهم بأهل الإسلام قائمة حتى يكون الحشر الأعظم بالقيامة، والحشر‏:‏ الجمع من مكان والسوق إلى غيره بكره، وسمي أولاً لأنهم أول من أجلي من اليهود من جزيرة العرب، والحشر الثاني لهم من خيبر على زمن عمر رضي الله عنه، وعند ابن إسحاق أن إجلاءهم في مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد وفتح قريظة في مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اخرجوا قالوا‏:‏ إلى أين، قال‏:‏ إلى أرض المحشر»، وقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ من شك أن المحشر بأرض الشام فليقرأ هذه الآية‏.‏ انتهى، وهذا الحشر يدل على المحشر الأعظم وبينه على قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏

«بعثت أنا والساعة كهاتين»‏.‏

ولما كان قد أخبر أن حشرهم لم يكن بسبب غير محض قدرته، استأنف شرح ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏ما ظننتم‏}‏ أي أيها المؤمنون ‏{‏أن يخرجوا‏}‏ أي يوقعوا الخروج من شيء أورثتموه منهم لما كان لكم من الضعف ولهم من القوة لكثرتهم وشدة بأسهم وشكيمتهم وقرب بني قريظة منهم فكانوا بصدد مظاهرتهم، وأهل خيبر أيضاً غير بعيدين عنهم وكلهم أهل ملتهم، والمنافقون من أنصارهم وأسرتهم، فخابت ظنونهم في جميع ذلك وفالت أراؤهم وسلط عليهم المؤمنون على قلتهم وضعفهم، وإذا أراد الله نصر عبد استأسد أرنبه وإذا أراد قهر عدو استنوق أسده‏.‏

ولما كانت الحصون تمنع إلى إتيان الأمداد قال‏:‏ ‏{‏وظنوا أنهم‏}‏ ودل على قوة ظنهم وثباته بالجملة الاسمية فقال‏:‏ ‏{‏مانعتهم حصونهم‏}‏ أي ثابت لها المنع ولهم الامتناع، قالوا‏:‏ وفي تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي جعل ضميرهم اسم ‏(‏إن‏)‏ وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عز ومنعة لا مطمع معها في معازّتهم، ودل على ضعف عقولهم بأن عبر عن جنده باسمه وباسمه الأعظم فقال‏:‏ ‏{‏من الله‏}‏ أي الملك الأعظم الذي لا عز إلا له وأنتم جنده، لا تقاتلون إلا فيه وبه، بأسكم من بأسه، فقد اجتمع الظنان على شيء واحد‏.‏ ولما كان إسناد ما للمضاف إلى المضاف إليه شائعاً في لسان العرب وكثيراً جداً لأنه لا يلتبس على من له إلمام بكلامهم، وبليغاً جداً لما له من العظمة، قال‏:‏ ‏{‏فآتاهم الله‏}‏ أي جاءهم الملك الأعظم الذي يحتملون مجيئه بما صور لهم من حقارة أنفسهم التي اضطرتهم إلى الجلاء ‏{‏من حيث لم يحتسبوا‏}‏ أي من الجهة التي لم يحملوا أنفسهم على حسبها وهي خذلان المنافقين لهم رعباً كرعبهم واستضعافاً كاستضعاف أنفسهم عن مقاومة جند الله بعد أن كان الشيطان زين لهم غير ذلك، وملأ قلوبهم من الأطماع الفارغة حتى قطعوا بما مناهم وقربه لهم وأغواهم‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فأوهنهم الله بذلك، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏وقذف‏}‏ أي أنزل إنزالاً كأنه قذفه بحجارة، فثبت وارتكز ‏{‏في قلوبهم الرعب‏}‏ أي الخوف الذي سكنها فرضّها وملأها وعبر منها إلى جميع قواهم فاجتثها من أصلها، ثم بين حالهم عند ذلك أو فسر قذف الرعب بقوله‏:‏ ‏{‏يخربون بيوتهم‏}‏ أي يبالغون- على قراءة أبي عمرو بالتشديد- في إخرابها، أي إفسادها، فإن الخربة الفساد، وقراءة غيره يفهم الفعل المطلق الذي لا ينافي المقيد ‏{‏بأيديهم‏}‏ ضعفاً منهم- بما أشار إليه جمع القلة، ويأساً من قوتهم ليأخذوا ما استحسنوا من آلاتها، فكان الرجل منهم لما تحملوا للرحيل يهدم بيته عن نجاف بابه وما استحسن من خشبه فيضعه على ظهر بعيره فيأخذه وينقب الجدار ويهدم السقف حسداً للمسلمين أن يسكنوها بعدهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يخلوا له عن البلد ولهم ما حملت إبلهم‏.‏

ولما كان السبب في تخريب الصحابة رضي الله عنهم لبيوتهم ما أحرقوهم به من المكر والغدر كانوا كأنهم أمروهم بذلك، فنابوا عنهم فيه، فقال أيضاً بجمع القلة للدلالة على أن الفعل له سبحانه وحده‏:‏ ‏{‏وأيدي المؤمنين‏}‏ أي الراسخين في الإيمان استيلاء وغلبة عليهم وقد كان المؤمنون يخربون ما ضيق عليهم المجال منها لأجل القتال، وقدم تخريبهم لأنه أعجب‏.‏

ولما كان في غاية الغرابة أن يفعل الإنسان في نفسه كما يفعل فيه عدوه، سبب عن ذلك قوله‏:‏ ‏{‏فاعتبروا‏}‏ أي احملوا أنفسكم بالإمعان في التأمل في عظيم قدرة الله تعالى على أن تعبروا من ظواهر العلم في هذه القضية بما دبر الله في إخراجهم إلى بواطن الحكمة بأن لا تعدوا لكم ناصراً نم الخلق ولا تعتمدوا على غير الله، فإن الاعتبار- كما قال القشيري- أحد قوانين الشرع، ومن لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره- انتهى‏.‏ وقد احتج بالآية مثبتو القياس فإنه مجاوزة من الأصل إلى الفرع، والمجاوزة اعتبار، وهو مأمور به في هذه الآية فهو واجب‏.‏

ولما كان الاعتبار عظيم النفع، لا يحصل إلا للكمل، زاده تعظيماً بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أولي الأبصار *‏}‏ بالنظر بأبصاركم وبصائركم في غريب هذا الصنع لتحققوا به ما وعدكم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من إظهار دينه وإعزاز نبيه ولا تعتمدوا على غير الله كما اعتمد هؤلاء على المنافقين، فإن من اعتمد على مخلوق أسلمه ذلك إلى صغاره ومذلته، ولا تلموا بغدر كما أرادوا أن يغدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيطرحوا عليه وهو قاعد بفناء دار من دورهم رحى من السطح ليقتلوه بها- زعموا، ولا تفعلوا شيئاً من قبيح أفعالهم لئلا يحصل لكم مثل نكالهم كما أحكمه قوله صلى الله عليه وسلم «لتتبعن سنن من كان قبلكم» الحديث، وذلك الغدر منهم بعد أن حرضوا قريشاً على غزوة أحد ودلوهم على بعض العورات، وقال البغوي‏:‏ إن كعب بن الأشرف أتى قريشاً بعد أحد في أربعين راكباً فحالفهم على النبي صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل عليه السلام عليه يخبره بذلك، وقال‏:‏ إنه لما قصدهم عليه السلام أرسلوا إليه أن يخرج في ثلاثين ويخرج منهم ثلاثون ليسمعوا منه، فإن آمنوا به آمن الكل، فأجابهم فأرسلوا أن الجمع كثير فاخرج في ثلاثة ليخرج ثلاثة منا، فأرسلت امرأة منهم إلى أخيها وكان مسلماً أنهم اشتملوا على الخناجر يريدون الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فكف صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكل ما ذكر من أسباب قصتهم كما ترى دائر على المكر بل هو عين المكر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 5‏]‏

‏{‏وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ‏(‏3‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏4‏)‏ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

ولما دل هذا على غاية الوهن منهم فكان موضع التعجب من الكف عن قتلهم، بين أن السبب في ذلك أمره الباهر وعزه القاهر حثاً على ما ختم به الآية السابقة من الاعتبار والتدبر والاستبصار فقال‏:‏ ‏{‏ولولا أن كتب الله‏}‏ أي فرض فرضاً حتماً الملك الذي له الأمر كله، ودل على أنه كتب إذلالاً وإخزاء بقوله‏:‏ ‏{‏عليهم‏}‏ أي بخصوصهم فيما كتب على بني إسرائيل في الأزل كما كتب على بني قينقاع ‏{‏الجلاء‏}‏ أي الخروج من ديارهم والجولان في الأرض، فأما معظمهم فأجلاهم بخت نصر من بلاد الشام إلى العراق، وأما هؤلاء فحماهم الله بمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك الجلاء وجعله على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلاهم فذهب بعضهم إلى خيبر وبعضهم إلى الشام مرة بعد مرة ‏{‏لعذبهم في الدنيا‏}‏ أي بالسيف كما سيفعل بأحوالهم من بني قريظة الذين كتب عليهم العذاب دون الجلاء من قتل المقاتلة وسبي الذرية، فإنه تعالى قد قضى قضاء حتماً أنه يطهر المدينة بلد الوحي منهم‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ ولكنه كتب عليهم ذلك فهو عذابهم الآن في الدنيا لا محالة وإن اجتمع أهل الأرض على نصرهم، عطف عليه قوله على طريق التهكم بالتعبير بأداة النفع‏:‏ ‏{‏ولهم‏}‏ أي على كل حال أجلوا أو تركوا ‏{‏في الآخرة‏}‏ التي هي دار البقاء ‏{‏عذاب النار *‏}‏ وهو العذاب الأكبر‏.‏

ولما أخبر بما نالهم في الدنيا وينالهم في الآخرة، علله بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي الأمر العظيم الذي فعله بهم من الجلاء ومقدماته في الدنيا ويفعله بهم في الآخرة ‏{‏بأنهم‏}‏ ولما كانوا قد ضموا فى هذه القضية إلى ما كانوا عليه من الكفر الظاهر كفراً باطناً بما أرادوا من إلقاء الرحى وغيره من الأذى مكراً منهم، أدغم في قوله‏:‏ ‏{‏شاقوا الله‏}‏ أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة التامة، فكانوا في شق غير شقه بأن صاروا في شق الأعداء المحاربين بعد ما كانوا في شق الموادعين‏.‏

ولما جارى رسول الله صلى الله عليه وسلم إخفاءهم لما أرادوا أن يفعلوا به بالإخفاء لخلاصه منهم بأن رجع إلى المدينة الشريفة وترك أصحابه رضي الله عنهم عندهم قال‏:‏ ‏{‏ورسوله‏}‏ الذي إجلاله من إجلاله‏.‏ ولما أخبر بفعله وبسببه، عطف عليه تأكيداً لمضمونه وإفاده لأنه يفعل في غيرهم ممن كان على أمرهم أعظم من فعلهم فقال‏:‏ ‏{‏ومن يشاق الله‏}‏ أي يوقع في الباطن مشاققة الملك الأعلى الذي لا كفوء له في الحال أو الماضي أو الاستقبال سواء أبطن معها مشاققة أخرى أو لا، وترك الإدغام على حاله لأنهم ما أظهروا معاداة وإنما كان ما فعلوا مكراً ومساترة، وذلك أخف من المجاهرة، وأظهر في الأنفال لقوة أمر المجاهرين كما مضى، ولم يعد ذكر الرسول تفخيماً له بإفهام أن مشاققته مشاققة لله من غير مثنوية أصلاً، وإشارة إلى أنهم بالغوا في إخفاء مشاققتهم، فلم يظهر عليها غير الله، فلم يحصل منهم في ذلك مفاعلة بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لم يمكر بهم، وإنما جاهرهم حين أعلمه الله بمكرهم بخلاف ما تقدم في الأنفال، فإن المقام اقتضى هناك الذكر لأنهم مكروا به كما قال تعالى

‏{‏وإذ يمكر بك الذين كفروا‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 30‏]‏ الآية وهو صلى الله عليه وسلم أخفى أمر هجرته وأعمل الحيلة في الخلاص من مكرهم على حسب ما أمره الله به فحصلت المفاعلة في تحيز كل من الفريقين إلى شق غير شق الآخرة خفية ‏{‏فإن الله‏}‏ أي المحيط بجميع العظمة يشدد عقابه له لأنه ‏{‏شديد العقاب *‏}‏ وذلك كما فعل ببني قريظة بعد هذا حيث نقضوا عهدهم وأظهروا المشاققة في غزوة الأحزاب وكما فعل أهل خيبر، وكانوا يماكرون ويساترون في الأولى عند فتحها وفي الثانية عند إجلائهم منها، فقد سوى بين المساترين والمجاهرين في العذاب وهو للمجاهرين أشد عذاباً كما هو واضح‏.‏

ولما دل سبحانه على عزته وحكمته بما فعل ببني النضير الذين يقولون إنهم أشجع الناس وأشدهم شكيمة بما لهم من الأصالة والاصطفاء على العالمين، مع التأييد بالكتاب والحكمة، وختم بأن من شاق رسوله فقد شاقه، ومن شاقه فقد شدد عقابه، أتبعه بيان ما عاقبهم به من قطع الصحابة رضي الله عنهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لنخلهم الذي هو أعز عليهم من أبكارهم وهم ينظرون إليه لا يغنون شيئاً ولا منعة لديهم فقال‏:‏ ‏{‏ما‏}‏ وهي شرطية وأتبعها بشرطها الناصب لها فقال‏:‏ ‏{‏قطعتم‏}‏ أي كل ما قطعتموه، وبين ما في «ما» من الإبهام بقوله معبراً عن النخل، بما يفيد نوعه وأنه هان عليهم القطع ولان‏:‏ ‏{‏من لينة‏}‏ وهي ضرب من النخل، قال ابن إسحاق‏:‏ هو ما خالف العجوة من النخل، وقال ابن هشام‏:‏ اللينة من الألوان، وهي ما لم يكن برنية ولا عجوة من النخل فيما حدثني أبو عبيدة- انتهى‏.‏ وقال صاحب القاموس اللون‏:‏ الدقل من النخل، وهي جماعة واحدتها لونه ولينة، قال المهدوي‏:‏ وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً أنها لون من النخل، وقال البغوي‏:‏ ورواية زاذان عن ابن عباس رضي الله عنه قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع نخلهم إلا العجوة‏.‏ وأهل المدينة يسمون ما خلا العجوة من التمر الألوان واحدها لون ولينة، وقال عطية والحسن ومجاهد وابن زيد وعمرو بن ميمون‏:‏ اللينة‏:‏ النخلة، اسمان بمعنى واحد، وجمعها لين وليان، وقال سفيان الثوري‏:‏ اللينة ما تمرها لون وهو نوع من التمر شديد الصفرة يشف عن نواة فيرى من خارج، قال البغوي‏:‏ يغيب فيها الضرس، وكان من أجود تمرهم وأعجبها إليهم، وكانت النخلة الواحدة ثمنها ثمن وصيف أحب إليهم من وصيف، فلما رأوهم يقطعونها شق عليهم وقالوا للمؤمنين‏:‏ إنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون، دعوا هذه النخلة، فإنما هي لمن غلب عليها، وقال الرازي في اللوامع واختلاف الألوان فيها ظاهر لأنها أول حالها بيضاء كصدف مليء درّاً منضداً، ثم غبراء ثم خضراء كأنها قطع زبرجد خلق فيها الماء ثم حمراء كأنها ياقوت رص بعضه ببعض ثم صفراء كأنها شذو عقيان، ولذلك إذا بلغ الإرطاب نصفها سميت مجزعة لاختلاف ألوانها الجزع الظفاري‏.‏

ولما كان ما فسر بمؤنث هو اللينة، أعاد الضمير مؤنثاً فقال‏:‏ ‏{‏أو تركتموها‏}‏ ولما كان الترك يصدق ببقائها مغروسة أو مقطوعة قال‏:‏ ‏{‏قائمة‏}‏ ولما كان المراد نخيلاً كثيرة لإرادة الجنس قال‏:‏ ‏{‏على أصولها‏}‏ بجمع الكثرة ‏{‏فبإذن الله‏}‏ أي فقطعها بتمكين الملك الأعظم ورضاه، قال القشيري‏:‏ وفي هذا دليل على أن الشريعة غير معللة وإذا جاء الأمر الشرعي بطل طلب التعليل وسكتت الألسنة عن التقاضي ب «لِمَ» وحضور الاعتراض والاستقباح بالبال خروج عن حد العرفان‏.‏

ولما فطم عن طلب العلل خطاباً للكمل، طيب قلوب من دونهم بعلة معطوفة على ما تقديره‏:‏ فليس ذلك بفساد ولكنه صلاح أذن لكم فيه ليشفي به صدور المؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم، فقال واضعاً موضع ضميرهم ظاهراً يدل على ما أوجب خزيهم‏:‏ ‏{‏وليخزي الفاسقين *‏}‏ الذين هم أصلاء في المروق من دائرة الحق بأن يذلهم ويفضحهم ببيان كذبهم في دعواهم العز والشجاعة والتأييد من الله لأنهم على الدين الحق وأنه لا يتطرق إليه نسخ، وروى أبو يعلى عن جابر رضي الله عنه أنه قال‏:‏ رخص لهم في قطع النخل ثم شدد عليهم فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا رسول الله‏!‏ علينا إثم فيما قطعنا أو علينا فيما تركنا، فأنزل الله الآية- انتهى وكان ناس من المؤمنين مالوا إلى الكف عن القطع لما سموه اليهود فساداً وطائفة أشاروا بالاستمرار على القطع لأنه يغيظهم، فصوب سبحانه في الآية من أمر بالكف وحلل من أشاروا بالاستمرار بالقطع من الإثم، فدلت الآية على جواز إفساد أموال أهل الحرب على أي حال كان مثمراً كان أو لا بالتحريق والتغريق والهدم وغيره لإخزائهم بذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏6‏)‏‏}‏

ولما كانت الغنائم التي تقسم بين الجيش إنما هي ما قاتلوا عليه، وأما ما أتى منها بغير قتال فهو فيء يأخذه الإمام فيقسمه خمسة أخماس، ثم يقسم خمساً منها خمسة أقسام، أحدها وهو كان للنبي صلى الله عليه وسلم يكون بعده لمصالح المسلمين، والأقسام الأربعة الأخرى من هذا الخمس لمن ذكر في الآية بعدها، والأربعة الأخماس الكائنة من أصل القسمة وهي التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها حصلت بكفايته وإرعابه للعدو، تفرق بين المرتزقة من جميع النواحي، فكانت الأموال كلها لله إنعاماً على من يعبده بما شرعه على ألسنه رسله عليهم الصلاة والسلام، كانت أموال الكفار في أيديهم غصباً غصبوه من أوليائه، فخص سبحانه رسول صلى الله عليه وسلم بأموال بني النضير يضعها حيث يشاء لأنها فيء فقال‏:‏ ‏{‏وما أفاء الله‏}‏ أي رد الملك الذي له الأمر كله رداً سهلاً بعد أن كان فيما يظهر في غاية العسر والصعوبة ‏{‏على رسوله‏}‏ فصيره في يده بعد أن كان خروجه عنها بوضع أيدي الكفار عليه ظلماً وعدواناً كما دل عليه التعبير بالفيء الذي هو عود الظل إلى الناحية التي كان ابتدأ منها ‏{‏منهم‏}‏ أي رداً مبتدئاً من الفاسقين، فبين أن هذا فيء لا غنيمة، ويدخل في الفيء أموال من مات منهم عن غير وارث وكذا الجزية، وأما الغنيمة فهي ما كان بقتال وإيجاف خيل وركاب‏.‏

ولما كان الحرب إنما هو كر وفر في إسراع وخفة ورشاقة بمخاتلة الفرسان ومراوغة الشجعان ومغاورة أهل الضرب والطعان، قال معللاً لكونه فيئاً‏:‏ ‏{‏فما أوجفتم‏}‏ أي أسرعتم، وقال ابن إسحاق‏:‏ حركتم واتبعتم في السير- انتهى، وذلك الإيجاف للغلبة ‏{‏عليه‏}‏ وأعرق في النفي بالجار فقال‏:‏ ‏{‏من خيل‏}‏ وأكد بإعادة النافي لظن من ظن أنه غنيمة لإحاطتهم بهم فقال‏:‏ ‏{‏ولا ركاب‏}‏ أي إبل، غلب ذلك عليها نم بين المركوبات، ولا قطعتم من أجله مسافة، فلم تحصل لكم كبير مشقة في حوز أموالهم لأن قريتهم كانت في حكم المدينة الشريفة ليس بينها وبين ما يلي منها مسافة بل هي ملاصقة لإحدى قرى الأنصار التي المدينة اسم لها كلها، وهي قرية بني عمرو بن عوف في قباء بينهما وبين القرية التي كان رسول الله نازلاً بها نحو ميلين، فمشى الكل مشياً ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقاتلوا بها قتالاً بعد، فلذلك جعلها الله فيئاً ولم يجعلها غنيمة، فهي تقسم قسمة الفيء، لا قسمة الغنيمة، فخمسها لأهل خمس الغنيمة وهم الأصناف الخمسة المذكورون في الآية التي بعدها، وما فضل فهو الأربعة الأخماس له صلى الله عليه وسلم مضمومة إلى ما حازه من خمس الخمس‏.‏

ولما كان معنى هذا‏:‏ فما كان التسليط بكم، استدرك بقوله‏:‏ ‏{‏ولكن الله‏}‏ أي الذي له العز كله فلا كفوء له ‏{‏يسلط رسله‏}‏ أي له هذه السنة في كل زمن ‏{‏على من يشاء‏}‏ بجعل ما آتاهم سبحانه من الهيبة رعباً في قلوب أعدائه، فهو الذي سلط رسوله صلى الله عليه وسلم على هؤلاء بأن ألقى في روعه الشريف أن يذهب إليهم فيسألهم الإعانة في دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه خطأ، فلما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب بيت من بيوتهم، وكانوا موادعين له صلى الله عليه وسلم نقضوا عهدهم خفية مكراً منهم بعد أن رحبوا به ووعدوه الإعانة وأمروا أحدهم أن يرمي عليه من فوق السطح صخرة لتقتله، فأعلمه الله بهذا فذهب وترك أصحابه هناك حتى لحقوا به، وهذا بعد ما كان حيي فعل من قدومه مكة وندبه لقريش إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم ومعاقدته لهم على أن يكون معهم عليه عليه الصلاة والسلام، وإعلام الله بذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهم بعد ما أصبح أنكم قد خنتم الله ورسوله، فأردتم أن تفعلوا كذا، وأن الأرض لله ورسوله، فاخرجوا منها وقد أجلتكم عشراً، فمكثوا على ذلك أياماً يتجهزون ودس إليهم ابن أبي ومن معه من المنافقين أنهم معهم في الشدة والرخاء لا يسلمونهم، وقال ابن أبي‏:‏ معي ألفان من قومي وغيرهم نم العرب يدخلون حصنكم فيموتون من عند آخرهم، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان فطمع حيي بن أخطب في ذلك فأرسل إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك، فقصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المؤمنين يحمل رايته علي بن أبي طالب رضي الله عنه فصلى العصر بفنائهم بعد أن استعمل على المدينة ابن أم مكتوم رضي الله عنه وأقام عليهم ست ليال وهم متحصنون، فقطع من نخلهم وحرق فنادوه أن قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بالك تقطع النخل، وتربصوا نصر ابن أبي ومن معه على ما قالوا فلم يفوا لهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم فأرسلوا بالإجابة، فقال‏:‏ لا إلا أن يكون لي سلاحكم وما لم تقدروا على حمله على إبلكم من أموالكم، فتوقفوا ثم أجابوا فحملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل إلا الحلقة، وذهبوا على ستمائة بعير، وأظهروا الحلي والحلل وأبدى نساؤهم زينتهن فلحق بعضهم بخيبر وبعضهم بالشام وخلوا الأموال والحلقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسلم منهم إلا رجلان يامين بن عمرو وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها فجعل الله أموال من لم يسلم منهم فيئاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة به يضعها حيث يشاء كما روي ذلك في الصحيح عن عمر رضي الله عنه في قصة مخاصمة علي والعباس رضي الله عنهما، وفيه أنه من خصائصه صلى الله عليه وسلم فإنه قال‏:‏ إن الله قد خص رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحداً غيره، ثم قرأ ‏{‏ما أفاء الله على رسوله منهم‏}‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قدير‏}‏ فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم قد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال- يعني الذي وقع خصامهما فيه، فكان ينفق رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل ما لله، وفي الصحيح أيضاً عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ينفق على أهله منها نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله- انتهى، وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموالهم بعد ما تركه لنفسه بين المهاجرين، لم يعط الأنصار منه شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة شديدة‏:‏ أبو دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة رضي الله عنهم، وكان لسيف ابن أبي الحقيق عندهم ذكر فنفله سعد بن معاذ رضي الله عنه وقال الأصبهاني‏:‏ إن الفيء كان يقسم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة وعشرين سهماً أربعة أخماسها وهي عشرون سهماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل بها ما يشاء ويحكم فيها ما أراد، والخمس الباقي على ما يقسم عليه خمس الغنيمة- يعني على رسول الله صلى الله عليه وسلم وذوي القربى ومن بعدهم، هكذا كان عمله صلى الله عليه وسلم في صفاياه، فلما توفي كانت إلى إمام المسلمين وكذا جميع ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه قال‏:‏

«لا نورث، ما تركناه صدقة»‏.‏ فولي ذلك أبو بكر رضي الله عنه ثم عمر رضي الله عنه، فكانا يفعلان فيها ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ وقال الأصبهاني رضي الله عنه أيضاً عن مالك بن أوس بن الحدثان رضي الله عنه‏:‏ قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ‏{‏إنما الصدقات للفقراء‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 60‏]‏ حتى بلغ ‏{‏عليم حكيم‏}‏ ثم قال‏:‏ هذه لهؤلاء ثم قرأ ‏{‏واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه‏}‏

‏[‏الأنفال‏:‏ 41‏]‏ ثم قال هذه لهؤلاء، ثم قرأ ‏{‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 7‏]‏ حتى بلغ ‏{‏الفقراء المهاجرين والذين تبوءوا الدار والإيمان والذين جاؤوا من بعدهم‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 7‏]‏ ثم قال‏:‏ استوعبت هذه المسلمين عامة فليس أحد إلا له فيها حق، ثم قال‏:‏ لئن عشت ليأتين الراعي نصيبه منه لم يعرف جبينه فيه- انتهى‏.‏

وقال ابن عطية‏:‏ ما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير ومن فدك فهو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وليس على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها، ومذهب الشافعي رضي الله عنه أن هذه الأموال التي هي فيء كبقية الفيء يقسم على خمسة أسهم‏:‏ خمس منها للأصناف المذكورة أولها النبي صلى الله عليه وسلم وأربعة أخماسها له صلى الله عليه وسلم وحده، وأجاب الشافعي عن قول عمر رضي الله عنه، «فكانت هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة» بأنه عام أريد به الخاص، ومعناه، فكان ما بقي منها في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إعطاء الخمس لأربابه خاصاً به صلى الله عليه وسلم، لا يشك أحد في خصوصيته به، ثم إنه مع ذلك ما احتازه دونهم بل كان يفعل ما ذكر في الحديث من الإيثار، قال الشافعي رضي الله عنه‏:‏ لأنا لا نشك أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الأصناف المذكورين في الآية منها حقهم وقد عهدنا أن حق هؤلاء الأصناف من مال المشركين الخمس كما هو صريح في سورة الأنفال، واستفيد من قول عمر رضي الله عنه «إنها كانت للنبي صلى الله عليه وسلم» أنه كان له ما كان يشترك فيه المسلمون من الخمس من الغنيمة التي حصلت بما حصل للكفار من الرعب منهم، والذي كان يشترك فيه المسلمون بعد الخمس هو أربعة الأخماس والنبي صلى الله عليه وسلم قام مقام المسلمين فيه إذ هم لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب، وإنما حصل ذلك بالرعب الذي ألقاه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في قلوب المشركين، فكانت الأربعة الأخماس تختص ممن كان السبب في حصول الجميع كما في الغنيمة، فعلى هذا الفيء الغنيمة لا يختلفان في أن الأربعة الأخماس تختص لمن كان السبب في حصول الجميع وأن خمس المالين يكون للأصناف المذكورة، والذي كان له صلى الله عليه وسلم من الفيء من الأربعة الأخماس يكون بعد موته صلى الله عليه وسلم للمقاتلة لأنه حصل بالرعب الحاصل للكفار منهم كأربعة أخماس الغنيمة التي حصلت بقتالهم‏.‏

ولما كانت قدرته سبحانه عامة بالتسليط وغيره، أظهر ولم يضمر فقال‏:‏ ‏{‏والله‏}‏ أي الملك الذي له الكمال كله ‏{‏على كل شيء‏}‏ أي أي شيء يصح أن تتعلق المشيئة به وهو كل ممكن من التسليط وغيره ‏{‏قدير *‏}‏ أي بالغ القدرة إلى أقصى الغايات، والآية تدل على أن إيجاف الخيل والركاب وقصد العدو إلى الأماكن الشاسعة له وقع كبير في النفوس ورعب عظيم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏7‏)‏‏}‏

ولما نزع سبحانه أموالهم من أيدي الجيش، بين مصرف غيرها مما كان مثلها بأن فتح له صلى الله عليه وسلم بغير قتال فقال مستأنفاً جواباً لمن كأنه قال‏:‏ هل يعم هذا الحكم كل فيء يكون بعد بني النضير‏:‏ ‏{‏ما أفاء الله‏}‏ أي الذي اختص بالعزة والحكمة والقدرة ‏{‏على رسوله‏}‏ ولما كان سبحانه محيط العلم بأنه يسلط على أهل وادي القرى وغيرهم أعظم من هذا التسليط، قال ليكون علماً من أعلام النبوة‏:‏ ‏{‏من أهل القرى‏}‏ أي قرية بني النضير وغيرها من وادي القرى والصفراء وينبع وما هنالك من قرى العرب التي تسمى قرى عربية ‏{‏فالله‏}‏ أي الملك الأعلى الذي الأمر كله بيده ‏{‏وللرسول‏}‏ لأنه أعظم خلقه، فرتبته تلي رتبته، وهذان يتراءى أنهما قسمان وليس كذلك، هما قسم واحد، ولكنه ذكر سبحانه نفسه المقدس تبركاً، فإن كل أمر لا يبدأ به فهو أجذم، وتعظيماً لرسوله صلى الله عليه وسلم إعلاماً بأنه لا هوى له أصلاً في شيء من الدنيا، وإنما رضاه رضا مولاه، خلقه القرآن الذي هو صفة الله فهو مظهره ومجلاه، وسهمه صلى الله عليه وسلم يصرف بعده لمصالح المسلمين كالسلاح والثغور والعلماء والقضاة والأئمة‏.‏

ولما أبان هذا الكلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل والعظمة ما لا يدخل تحت الوصف، أتبعه تعظيماً آخر بتعظيم أقاربه لأجله، ولذلك أعاد العامل فقال‏:‏ ‏{‏ولذي القربى‏}‏ أي منه لأن رتبتهم من بعد رتبته وهم بنو هاشم وبنو المطلب رهط إمامنا الشافعي رضي الله عنه سواء فيه غنيهم وفقيرهم، لأن أخذهم لذلك بالقرابة لا بالحاجة كما هو مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه‏.‏ ولما ذكر أهل الشرف، أتبعه أهل الضعف جبراً لوهنهم فقال مقدماً أضعفهم‏:‏ ‏{‏واليتامى‏}‏ أي الذين هم أحق الناس بالعطف لأن مبنى الدين على التخلق بأخلاق الله التي من أجلّها تقوية الضعيف وجبر الكسير ‏{‏والمساكين‏}‏ فإنهم في الضعف على أثرهم ودخل فيهم الفقراء فإنه إذا انفرد لفظ الفقير أو المساكين دخل كل منهما في الآخر، وإنما يفرق إذا جمع بينهما، وكذا الفيء والغنيمة إذا أفردا جاز أن يدخل كل في الآخر، وإذا جمعا فالفيء ما حصل بغير قتال وإيجاف خيل وركاب، والغنيمة ما حصل بذلك ‏{‏وابن السبيل‏}‏ وهم الغرباء لانقطاعهم عن أوطانهم وعشائرهم، وقسمة الفيء على هذه الأصناف كما مضى أن يقسم خمسة أقسام‏:‏ خمس منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذكر معه من المخلوقين وذكر الله فيهم للتبرك، لأن الأصناف المذكورة هي التي يعبر عنها باسمه سبحانه، والأربعة الأخماس خاصة له صلى الله عليه وسلم ينفق منها نفقة سنة وما فضل عنه أنفقه في مصالح المسلمين السلاح والكراع ونحوه، وما كان له صلى الله عليه وسلم في حياته فهو للمصالح بعد وفاته، كما كان يفعل بعد ما يفضل عن حاجته، قال الشافعي رضي الله عنه في الأم‏:‏ وما أخذ من مشرك بوجه من الوجوه غير ضيافة من مر بهم من المسلمين فهو على وجهين لا يخرج منهما، كلاهما مبين في كتاب الله تعالى وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفي فعله فأحدهما الغنيمة، قال الله تعالى في سورة الأنفال‏:‏

‏{‏واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 41‏]‏ والوجه الثاني الفيء، وهو مقسوم في كتاب الله في سورة الحشر، قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏وما أفاء الله على رسوله منهم‏}‏- إلى قوله- ‏{‏رؤف رحيم‏}‏ فهذان المالان اللذان خولهما الله من جعلهما له من أهل دينه، وهذه أموال يقوم بها الولاة لا يسعهم تركها‏.‏ فالغنيمة والفيء تجتمعان في أن فيهما معاً الخمس من جميعهما لمن سماه الله تعالى، ومن سماه الله تعالى في الآيتين معاً سواء مجتمعين غير مفترقين، ثم يفترق الحكم في الأربعة الأخماس بما بين الله عز وجل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وفي فعله فإنه قسم أربعة أخماس الغنيمة، والغنيمة هي الموجف عليها بالخيل والركاب لمن حضر من غني وفقير، والفيء وهو ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم في قرى عرينة التي أفاءها الله عليها أن أربعة أخماسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دون المسلمين يضعه رسوله الله صلى الله عليه وسلم حيث أراه الله عز وجل، ثم ذكر حديث عمر رضي الله عنه من رواية مالك بن أوس بن الحدثان رضي الله عنه في خصام علي والعباس رضي الله عنهما، قال الشافعي‏:‏ فأموال بني النضير التي أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم التي ذكر عمر رضي الله عنه فيها ما بقي منها في يد النبي صلى الله عليه وسلم بعد الخمس وبعد أشياء فرقها النبي صلى الله عليه وسلم منها بين رجال من المهاجرين لم يعط منها أنصارياً إلا رجلين ذكرا فقراً وهذا مبين في موضعه، وفي هذا الحديث دلالة على أن عمر رضي الله عنه إنما حكى أن أبا بكر رضي الله عنه وهو أمضيا ما بقي من هذه الأموال التي كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه ما رأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به فيها، وأنهما لم يكن لهما مما لم يوجف عليه المسلمون من الفيء ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهما إنما كانا فيه أسوة للمسلمين، وذلك سيرتهما وسيرة من بعدهما، والأمر الذي لم يختلف فيه أحد من أهل العلم عندنا علمته ولم يزل يحفظ من قولهم أنه ليس لأحد ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من صفي الغنيمة ولا من أربعة أخماس ما لم يوجف عليه منها، وقد مضى من كان ينفق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه وغيرهن إن كان معهن، فلم أعلم أحداً من أهل العلم قال لورثتهم تلك النفقة التي كانت لهم، ولا خلاف أن تجعل تلك النفقات حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل فضول غلات تلك الأموال فيما فيه صلاح الإسلام وأهله، قال الشافعي‏:‏ والجزية من الفيء وسبيلها سبيل جميع ما أخذه مما أوجف من مال مشرك أن يخمس فيكون لمن سمى الله عز وجل الخمس وأربعة أخماسه على ما سأبينه إن شاء الله تعالى، وكذلك كل ما أخذ من مشرك من مال غير إيجاف، وذلك مثل ما أخذ منه إذا اختلف في بلاد المسلمين ومثل ما أخذ منه إذا مات ولا وارث له، وغير ذلك ما أخذ من ماله، وقد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فيء من غير قرى عرينة، وذلك مثل جزية أهل البحرين وهجر وغير ذلك فكان له أربعة أخماسها يمضيها حيث أراد الله عز وجل وأوفى خمسه من جعله الله له- انتهى‏.‏

ولما حكم سبحانه هذا الحكم في الفيء المخالف لما كانوا عليه في الجاهلية من اختصاص الأغنياء به، بين علته المظهرة لعظمته سبحانه وحسن تدبيره ورحمته فقال معلقاً بما علق به الجار‏:‏ ‏{‏كي لا يكون‏}‏ أي الفيء الذي سيره الله سبحانه بقوته وما خص به نبيه صلى الله عليه وسلم من قذف الرعب في قلوب أعدائه ومن حقه أن يعطاه الفقراء ‏{‏دولة‏}‏ أي شيئاً يتناوله أهل الغنى والشرف على وجه القهر والغلبة إثرة جاهلية- هذا على قراءة الجماعة، وقرأ أبو جعفر وهشام عن ابن عامر بالتأنيث من ‏{‏كان‏}‏ التامة و‏{‏دولة‏}‏ بالرفع على أنها فاعل ‏{‏بين الأغنياء منكم‏}‏ يتداولونه بينهم فإنهم كانوا يقولون‏:‏ من عزيز، ومنه قال الحسن‏:‏ اتخذوا عباد الله خولاً ومال الله دولاً- يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به، وقيل‏:‏ الضم اسم للمتداول كالغرفة اسم لما يغترف، والفتح التداول‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فافعلوا ما أمرتكم من قسمته لمن أمرت به، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏وما‏}‏ أي وكل شيء ‏{‏آتاكم‏}‏ أي أحضر إليكم وأمكنكم منه ‏{‏الرسول‏}‏ أي الكامل في الرسلية من هذا وغيره ‏{‏فخذوه‏}‏ أي فتقبلوه تقبل من حازه ‏{‏وما نهاكم عنه‏}‏ من جميع الأشياء ‏{‏فانتهوا‏}‏ لأنه لا ينطق عن الهوى ولا يقول ولا يفعل إلا ما أمره به الله ربه، فمن قبل ذلك هانت عليه الأمور كما ورد ‏(‏القرآن صعب مستصعب على من تركه ميسر على من طلبه وتبعه‏)‏ روي أن الآية نزلت في ناس من الأنصار قالوا‏:‏ لنا من هذه القرى سهمنا‏.‏

ولما كان الكف عما ألفته النفوس صعباً، ولا سيما ما كان مع كونه تمتعاً بمال على وجه الرئاسة، رهب من المخالفة فيه بقوله‏:‏ ‏{‏واتقوا الله‏}‏ أي اجعلوا لكم بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاية من عذاب الملك الأعظم المحيط علماً وقدرة، وعلل ذلك بقوله، معظماً له بإعادة الجلالة مؤكداً لأن فعل المخالف فعل المنكر‏:‏ ‏{‏إن الله‏}‏ أي الذي له وحده الجلال والإكرام على الإطلاق ‏{‏شديد العقاب *‏}‏ أي العذاب الواقع بعد الذنب، ومن زعم أن شيئاً مما في هذه السورة نسخ بشيء مما في سورة الأنفال فقد أخطأ، لأن الأنفال نزلت في بدر وهي قبل هذه بمدة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 9‏]‏

‏{‏لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ‏(‏8‏)‏ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

ولما نزع سبحانه أموال الفيء وما كانت عليه في الجاهلية، وبين مصرف الفيء من القرى، وتهدد في المخالفة في ذلك لصعوبته على النفوس، فكان ذلك جديراً بالتقبل بعد أن أفهم أن أموال بني النضير لمن سلطه عليهم وهو رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان من المعلوم من حاله صلى الله عليه وسلم الإيثار على نفسه والقناعة بما دون الكفاف، بين المصرف فيها بعد كفايته صلى الله عليه وسلم لأن بيان ذلك هو المقصود الأعظم لكونه حاصلاً حاضراً، الموطأ له بأموال أهل القرى، فقال مبدلاً من ‏{‏لله وللرسول‏}‏ وما عطف عليهما لأن من أعطى المهاجرين لهجرتهم وتجردهم من أموالهم وديارهم فإنما أعطاهم لوجه الله ووجه رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يكون بدلاً من ‏{‏ذي القربى‏}‏ لئلا يختص بفقيرهم، أو يكون جواباً لمن كأنه قال‏:‏ قد سمعنا وأطعنا فلمن يكون ما سلط الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من أموالهم‏؟‏ فقيل له‏:‏ ‏{‏للفقراء‏}‏ أي الذي كان الإنسان منهم يعصب الحجر على بطنه من الجوع ويتخذ الحفرة في الشتاء لتقيه البرد، ما له دثار غيرها بعد أن كان له من الأموال ما يسعه ويفضل منه ما يصل به غيره، وإنما وصفهم بالفقر لأنهم كانوا عند نزولها كذلك، ثم خصص بالوصف فقال‏:‏ ‏{‏المهاجرين‏}‏ ولما كانت الهجرة قد تطلق على من هجر أهل الكفر من غير مفارقة الوطن فقال‏:‏ ‏{‏الذين أخرجوا‏}‏ وبناه للمفعول لأن المنكئ الإخراج، لا كونه من مخرج معين ‏{‏من ديارهم‏}‏ ولما كان الإخراج هنا مضمناً معنى المنع، واختبر التعبير به إشارة إلى أن المال السترة للإنسان لأنه ظرف له، قال‏:‏ ‏{‏وأموالهم‏}‏‏.‏

ولما كان غلب الدنيا من النقائص، بين أنه إذا كان من الله لم يكن كذلك، وأنه لا يكون قادحاً في الإخلاص، وأن أمر بني النضير إنما يسر تحقيقاً لرجائهم فقال‏:‏ ‏{‏يبتغون‏}‏ أي أخرجوا حال كونهم يطلبون على وجه الاجتهاد‏.‏ وبين أنه لا يجب عليه شيء لأحد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فضلاً من الله‏}‏ أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له لأنه المختص بجميع صفات الكمال من الدنيا والدين والآخرة فيغنيهم بفضله عمن سواه ‏{‏ورضواناً‏}‏ يوفقهم لما يرضيه عنهم ولا يجعل رغبتهم في العوض منه قادحاً في الإخلاص فيوصلهم إلى دار كرامته‏.‏

ولما وصفهم بتعليق بواطنهم به سبحانه وقطعها بالرضا بالإخراج عمن أو عما سواه، وصفهم ببذل ظواهرهم له فقال‏:‏ ‏{‏وينصرون‏}‏ أي على سبيل التجديد في كل وقت والاستمرار ‏{‏الله‏}‏ أي الملك الأعظم المجيد ‏{‏ورسوله‏}‏ الذي عظمته من عظمته بأنفسهم وأموالهم ليضمحل حزب الشيطان‏.‏ ولما بان ما له بهم سبحانه من العناية ترقب السامع من مدحهم ما يليق بهذا الإحبار‏.‏

فقال مستأنفاً ما هو كالعلة لتخصيصهم‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي العالو الرتبة في الأخلاق الفاضلة ‏{‏هم‏}‏ أي خاصة لا غيرهم ‏{‏الصادقون‏}‏ العريقون في هذا الوصف لأن مهاجرتهم لما ذكر وتركهم لما وصف دل على كمال صدقهم فيما ادعوه من الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم حيث نابذوا من عاداهما وهو القريب الصافي نسباً وداراً وأولوا أولياءهما من كانوا وإن بعدت دارهم وشط مزارهم، وهذا يدل على أن مبنى الدين على إقامة البينات بالثبات عن الابتلاءات على أن العون قد يأتي على قدر البلاء لأن الله تعالى قد خص المهاجرين مما أذن فيه من أموال بني النضير‏.‏

ولما مدح المهاجرين وأعطاهم فطابت نفوس الأنصار بذلك وكانوا في كل حال معه صلى الله عليه وسلم كالميت بين يدي الغاسل، مهما شاء فعل، ومهما أراد منهم صار إليه ووصل، أتبعه مدحهم جبراً لهم وشكراً لصنيعهم فقال عاطفاً على مجموع القصة‏:‏ ‏{‏والذين تبوؤ‏}‏ أي جعلوا بغاية جهدهم ‏{‏الدار‏}‏ الكاملة في الدور وهي التي أعدها الله في الأزل للهجرة وهيأها للنصرة وجعلها دائرة على جميع البلدان محيطة بها غالبة عليها محل إقامتهم وملابستهم وصحبتهم وملازمتهم لكونها أهلاً لأن يعود إليها من خرج منها فلا يهجرها أصلاً، فهي محل مناه وليست موضعاً يهاجر منه لبركتها أو خيرها‏.‏

ولما كان المراد الإبلاغ في مدحهم، قال مضمناً «تبوؤا» معنى لازم‏:‏ ‏{‏والإيمان‏}‏ أي ولابسوه وصحبوه وخصوه بالصحبة ولزموه لزوماً هو كلزوم المنزل الذي لا غنى لنازله عنه، ويجوز أن يكون الإيمان وصفاً للدار بإعادة العاطف للإشارة إلى التمكن في كل من الوصفين فيكون كأنه قيل‏:‏ تبوؤا المدينة التي هي الدار وهي الإيمان لأنها محل تمكن الإيمان وانتشاره وظهوره في سائر البلدان فلشدة ملابستها له سميت به، ويجوز أن يكون المعنى‏:‏ ومحل الإيمان إشارة إلى أنهم ما أقاموا بها لأجل أن أموالهم بها بل محبة في الإيمان علماً منهم بأنه لا يتم بدره، ويكمل شرفه وقدره، وتنشر أعلامه ويقوى ذكره إلا بها، ولولا ذلك لهجروها وهاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أي مكان حله، فهو مدح لهم بأنه متصفون بالهجرة بالقوة مع اتصافهم بالنصرة بالفعل‏.‏

ولما كان انفرادهم بإقامة الإيمان في الدار المذكورة قبل قدوم المهاجرين عليهم مدحاً تاماً، قال مادحاً لهم بذلك دالاً بإثبات الجارّ على أنهم لم يستغرقوا زمان القبل من حين إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم بالأمرين‏:‏ ‏{‏من قبلهم‏}‏ أي قبل هجرة المهاجرين لأن وصفهم بالهجرة لم يكن إلا بعد إيجادها فالأنصار جمعوا التمكن في الإيمان إلى التمكن في الدار من قبل أن يجمع المهاجرون بينهما بالهجرة‏.‏

ولما ابتدأ ذكرهم هذا الابتداء الجليل، أخبر عنهم بقوله‏:‏ ‏{‏يحبون‏}‏ أي على سبيل التجديد والاستمرار، وقيل العطف على المهاجرين، وهذه حال فيكون هذا حكماً بالمشاركة ‏{‏من هاجر‏}‏ وزادهم محبة فيهم وعطفاً عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏إليهم‏}‏ لأن القصد إلى الإنسان يوجب حقه عليه لأنه لولا كمال محبته له ما خصه بالقصد إليه، والدليل الشهودي على ما أخبر الله عنهم به من المحبة أنهم شاطروا المهاجرين في أموالهم وعرضوا عليهم أن يشاطروهم نساءهم على شدة غيرتهم، فأبى المهاجرون المشاطرة في النساء وقبلوا منهم الأموال‏.‏

ولما أخبرهم بالمحبة ورغبهم في إدامتها، عطف على هذا الخبر ما هو من ثمراته فقال‏:‏ ‏{‏ولا يجدون‏}‏ أي أصلاً ‏{‏في صدورهم‏}‏ التي هي مساكن قلوبهم فتصدر منها أوامر القلوب فضلاً عن أن تنطق ألسنتهم‏.‏ ولما كان المراد نفي الطلب منهم لما خص به المهاجري، وكان الحامل على طلب ذلك الحاجة، وكان كل أحد يكره أن ينسب إلى الحاجة وإن أخبر بها عن نفسه في وقت ما لغرض قال‏:‏ ‏{‏حاجة‏}‏ موقعاً اسم السبب على المسبب ‏{‏مما أوتوا‏}‏ أي المهاجرون من الفيء وغيره من أموال بني النضير وغيرهم من أي مؤت كان فكيف إذا كان المؤتي هو الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يجدوا حاجة تدعوهم إلى الطلب فلأن لا يجدوا حسداً ولا غيظاً من باب الأولى، فهذه الآية من أعظم حاث على حسن الإخاء محذر من الحسد والاستياء‏.‏ ولما أخبر عن تخليهم عن الرذائل أتبعه الإخبار بتحليهم بالفضائل فقال‏:‏ ‏{‏ويؤثرون‏}‏ عظم ذلك بقصر الفعل فصار المعنى‏:‏ يوقعون الأثرة وهي اختيار الأشياء الحسنة لغيرهم تخصيصاً لهم بها لا على أحبائهم مثلاً بل ‏{‏على أنفسهم‏}‏ فيبذلون لغيرهم ‏{‏كائناً‏}‏ من كان ما في أيديهم، وذكر النفس دليل على أنهم في غاية النزاهة من الرذائل لأن النفس إذا ظهرت كان القلب أطهر، وأكد ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏ولو كان‏}‏ أي كوناً هو في غاية المكنة ‏{‏بهم‏}‏ أي خاصة لا بالمؤثر ‏{‏خصاصة‏}‏ أي فقر وخلل في الأحوال وحاجة شديدة تحيط بهم من كل جانب، من خصائص البناء وهي فرجه‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فمن كان كذلك فهو من الصادقين‏:‏ عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏ومن‏}‏ ولما كان المقصود النزاهة عن الرذيلة من أي جهة كانت، وكان علاج الرذائل صعباً جداً، لا يطيقه الإنسان إلا بمعونة من الله شديدة، بنى للمفعول قوله‏:‏ ‏{‏يوق شح نفسه‏}‏ أي يحصل بينه وبين أخلاقه الذميمة المشار إليها بالنفس، وقاية تحول بينه وبينها، فلا يكون مانعاً لما عنده، حريصاً على ما عند غيره حسداً، قال ابن عمر رضي الله عنه‏:‏ الشح أن تطمح عين الرجل فيما ليس له، قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم»‏.‏

ولما كان النظر إلى التطهير من سفساف الأخلاق عظيماً، سبب عنه إفهاماً لأنه لا يحصل ما سببه عنه بدونه قوله ‏{‏فأولئك‏}‏‏:‏ أي العالو المنزلة ‏{‏هم‏}‏ أي خاصة لا غيرهم ‏{‏المفلحون *‏}‏ أي الكاملون في الفوز بكل مراد، قال القشيري‏:‏ وتجرد القلب من الأعراض والأملاك صفة السادة والأكابر، ومن أسرته الأخطار وبقي في شح نفسه فهو في مصارفة معاملته ومطالبة الناس في استيفاء حظه، فليس له من مذاقات هذه الطريقة شيء‏.‏

وشرح الآية أن الأنصار كانوا لما قدم عليهم المهاجرون قسموا دورهم وأموالهم بينهم وبينهم، فلما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير خطب النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ما صنعوا بالمهاجرين من إنزالهم إياهم وأثرتهم على أنفسهم، ثم قال «إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله عليّ من بني النضير»، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطتيهم وخرجوا من دياركم، فقال السعدان رضي الله عنهما‏:‏ بل يقسم بين المهاجرين خاصة ويكونون في دورنا كما كانوا، وقالت الأنصار‏:‏ رضينا وسلمنا، وفي رواية أنهم قالوا‏:‏ اقسم فيها هذه خاصة واقسم لهم من أموالنا ما شئت، فنزلت ‏{‏ويؤثرون على أنفسهم‏}‏- الآية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه‏:‏ جزاكم الله خيراً يا معشر الأنصار»، فوالله ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال العنزي‏:‏

جزى الله عنا جعفراً حين أزلقت *** بنا نعلنا في الواطئين فزلت

أبوا أن يملونا ولو أنا أمنا *** تلاقي الذي يلقون منا لملت

فهم لعمري الحقيقون باسم إخوان الصفاء، وخلان المروءة والوفاء، والكرامة والاصطفاء، ورضي الله عنهم وعن تابعيهم من الكرام الخلفاء والسادة والحنفاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏10‏)‏‏}‏

ولما أثنى الله سبحانه وتعالى على المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم بما هم أهله، التابعين لهم بإحسان ما يوجب لهم الثناء فقال عاطفاً على المهاجرين فيقتضي التشريك معهم، أو على أصل القصة من عطف الجمل‏:‏ ‏{‏والذين جاؤوا‏}‏ أي من أي طائفة كانوا، ولما كان المراد المجيء ولو في زمن يسير، أثبت الجار فقال‏:‏ ‏{‏من بعدهم‏}‏ أي بعد المهاجرين والأنصار وهم من آمن بعد انقطاع الهجرة بالفتح وبعد إيمان الأنصار الذين أسلموا بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، ثم ذكر الخبر أو الحال على نحو ما مضى في الذي قبله فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يقولون‏}‏ أي على سبيل التجديد والاستمرار تصديقاً لإيمانهم بدعائهم لمن سنه لهم‏:‏ ‏{‏ربنا‏}‏ أي أيها المحسن إلينا بإيجاد من مهد الدين قبلنا‏.‏ ولما كان الإنسان وإن اجتهد موضعاً للنقصان قال ملقناً لنا‏:‏ ‏{‏اغفر‏}‏ أي أوقع الستر على النقائص أعيانها وآثارها ‏{‏لنا‏}‏ ولما بدؤوا بأنفسهم، ثنوا بمن كان السبب في إيمانهم فقالوا‏:‏ ‏{‏ولإخواننا‏}‏ أي في الدين فإنه أعظم أخوة، وبينوا العلة بقولهم‏:‏ ‏{‏الذين سبقونا بالإيمان‏}‏ ولما لقنهم سبحانه حسن الخلافة لمن مهد لهم ما هم فيه، أتبعه تلقين ما يعاشرون به أعضادهم الذين هم معهم على وجه يعم من قبلهم، فقال معلماً بأن الأمر كله بيده حثاً على الالتجاء إليه من أخطار النفس التي هي أعدى الأعداء‏:‏ ‏{‏ولا تجعل‏}‏ وأفهم قوله‏:‏ ‏{‏في قلوبنا‏}‏ أن رذائل النفس قل أن تنفك وأنها إن كانت مع صحة القلب أوشك أن لا تؤثر ‏{‏غلاًّ‏}‏ أي ضغناً وحسداً وحقداً وهو حرارة وغليان يوجب الانتقام ‏{‏للذين آمنوا‏}‏ أي أقروا بالإيمان وإن كانوا في أدنى درجاته‏.‏

ولما كان هذا دعاء جامعاً للخير، لقنهم ما يجيبهم في لزومه والتخلق به مع ما فيه من التملق للإله والتعريض له بقوة الرجاء فقال‏:‏ ‏{‏ربنا‏}‏ أي أيها المحسن إلينا بتعليم ما لمن نكن نعلم، وأكدوا إعلاماً بأنهم يعتقدون ما يقولونه وإن ظهر من أفعالهم ما يقدح في اعتقادهم ولو في بعض الأوقات فقالوا‏:‏ ‏{‏إنك رؤوف‏}‏ أي راحم أشد الرحمة لمن كانت له بك وصلة بفعل من أفعال الخير ‏{‏رحيم *‏}‏ مكرم غاية الإكرام لمن أردته ولو لم يكن له وصلة، فأنت جدير بأن تجيبنا لأنا بين أن يكون لنا وصلة فنكون من أهل الرأفة، أو لا فنكون من أهل الرحمة، فقد أفادت هذه الآية أن من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة رضي الله عنهم فليس ممن عنى الله بهذه الآية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 14‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏11‏)‏ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ‏(‏12‏)‏ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏13‏)‏ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

ولما دل على أن هذا الثناء للصادقين في الإيمان بإقامة السنة بالهجرة والإيثار والاجتهاد في الدعاء لمن تبين الإيمان فسهل به طريق الأمان، فأخرج ذلك المنافقين وأفهم أنهم لا يفعلون ذلك لأنهم لا رسوخ لهم في الإيمان الحامل على ذلك، دل على نفاقهم الموجب لكذبهم بقوله متمماً للقصة مخاطباً لأعلى الخلق إشارة إلى أنه لا يطلع على نفاقهم لما لهم فيه من دقة المكر حق الاطلاع غيره صلى الله عليه وسلم معجباً من حالهم في عدم رسوخهم مع ما يرون من المعجزات والآيات البينات ويرون من حال المؤمنين من إسباغ الرحمة عليهم بتسهيل الأمور والنصرة على الجبابرة والإعراض عن الدنيا مع الإقبال على الآخرة والاجتهاد في الدين الذي هو وحده داع إلى الإيمان ومرقق للقلوب ومبين للحقائق غاية البيان‏:‏ ‏{‏ألم تر‏}‏ أي تعلم علماً هو في قوة الجزم به كالمشاهد يا أعلى الخلق، وبين بعدهم عن جنابه العالي ومنصبه الشريف الغالي بأداة الانتهاء فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إلى الذين نافقوا‏}‏ أي أظهروا غير ما أضمروا، أظهروا الخير وبالغوا في إخفاء عقائدهم بالشر مبالغة من ساجل غيره، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه، قالوا‏:‏ والنفاق لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبله، وهو استعارة من فعل الضب في نافقائه وقاصعائه، وصور حالهم بقوله‏:‏ ‏{‏يقولون لإخوانهم‏}‏ أي من الموالاة بالضلالة‏.‏

ولما جمعهم في الكفر وإن افترقوا في المساترة والمجاهرة، وصف المجاهرين بنوع مساترة توجب النفرة منهم وتقضي بهلاك من صادقهم فقال‏:‏ ‏{‏الذي كفروا‏}‏ أي غطوا أنوار المعارف التي دلتهم على الحق، وعينهم بما أبلغ في ذمهم من حيث إنهم ضلوا على علم فقال‏:‏ ‏{‏من أهل الكتاب‏}‏ وهم بنو النضير هؤلاء، وبكتهم بكذبهم فيما أكدوا الموعد به لأنه في حيز ما ينكر من جهة أنهم لا يقدرون على المجاهرة بكفرهم فكيف بالمبارزة بالخلاف لقومهم الأنصار والنبي صلى الله عليه وسلم فيهم في قولهم‏:‏ ‏{‏لئن أخرجتم‏}‏ أي من مخرج ما من بلدهم الذي في المدينة الشريفة فخرجتم من غير أن تقاتلوا ‏{‏لنخرجن معكم‏}‏ فكان ما قضي به على إخوانهم من الإخراج فألاً وكل بمنطقهم‏.‏

ولما كان من المعلوم أن للمنافقين أقارب من أكابر المؤمنين، وكان من المعلوم- أنهم يقومون عليهم في منعهم من القيام معهم نصيحة لهم وإحساناً إليهم، وكان تجويز بني النضير موهناً لذلك، قالوا مؤكدين للكون معهم‏:‏ ‏{‏ولا نطيع فيكم‏}‏ أي في خذلانكم، والمعنى أنه لو فرض أنه صار أحد في القرب منكم مثل قرب المظروف من الظرف ما أطعناه في التقصير فيما يسركم ‏{‏أحداً‏}‏ أي يسألنا خذلانكم من الرسول والمؤمنين، وأكدوا بقولهم‏:‏ ‏{‏أبداً‏}‏ أي ما دمنا نعيش، وبمثل هذا العزم استحق الكافر الخلود الأبدي في العذاب‏.‏

ولما قدموا في معونتهم ما كان فألاً قاضياً عليهم، أتبعوه قولهم‏:‏ ‏{‏وإن قوتلتم‏}‏ أي من أي مقاتل كان فقاتلتم ولم تخرجوا ‏{‏لننصرنكم‏}‏ فالآية من الاحتباك‏:‏ ذكر الإخراج أولاً دليلاً على ضده ثانياً، والقتال ثانياً دليلاً على حذف ضده أولاً، ومعنى الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير‏:‏ «اخرجوا من بلدي ولا تساكنوني، قد هممتم بالغدر بن وقد أجلتكم عشراً، فمن رئي بعد لك منكم ضربت عنقه» فأرسل إليهم ابن أبي بما تقدم‏.‏

ولما كان قولهم هذا كلاماً يقضي عليه سامعه بالصدق من حيث كونه مؤكداً مع كونه مبتدأ من غير سؤال فيه، بين حاله سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏والله‏}‏ أي يقولون ذلك والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ‏{‏يشهد‏}‏ بما يعلم من بواطنهم في عالم الغيب‏.‏ ولما كان بعض من يسمع قولهم هذا ينكر أن لا يطابقه الواقع، وكان إخلافهم فيه متحققاً في علم الله، أطلق عليه ما لا يطلق إلا على ما كشف الواقع عن أنه غير مطابق، فقال تشجيعاً للمؤمنين على قتالهم مؤكداً ‏{‏إنهم‏}‏ أي المنافقون ‏{‏لكاذبون *‏}‏ وهذا من أعظم دلائل النبوة لأنه إخبار بمغيب بعيدة عن العادة بشهادة ما ظننتم أن يخرجوا فحققه الله عن قريب‏.‏

ولما كان الكذب في قولهم هذا كونه إخباراً بما لا يكون، شرحه بقوله مؤكداً بأعظم من تأكيدهم‏:‏ ‏{‏لئن أخرجوا‏}‏ أي بنو النضير من أي مخرج كان ‏{‏لا يخرجون‏}‏ أي المنافقون ‏{‏معهم‏}‏ أي حمية لهم لأسباب يعلمها الله ‏{‏ولئن قوتلوا‏}‏ أي اليهود من أي مقاتل كان فكيف بأشجع الخلق وأعلمهم صلى الله عليه وسلم ‏{‏لا ينصرونهم‏}‏ أي المنافقون ولقد صدق الله وكذبوا في الأمرين معاً‏:‏ القتال والإخراج، لا نصروهم ولا خرجوا معهم، فكان ذلك من أعلام النبوة، وعلم به من كان شاكاً فضلاً عن الموقنين، صدق الكلام على ما لم يكن ولا ليكون لو كان كيف كان يكون بصدق الكلام على ما لم يكن ويكون كيف يكون إذا كان في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولئن نصروهم‏}‏ أي المنافقون في وقت من الأوقات ‏{‏ليولن‏}‏ أي المنافقون ومن ينصرونه، وحقرهم بقوله‏:‏ ‏{‏الأدبار‏}‏ ولما كان من عادة العرب الكر بعد الفر، بين أنهم لا كرة لهم بعد هذه الفرة وإن طال المدى فقال‏:‏ ‏{‏ثم لا ينصرون *‏}‏ أي لا يتجدد لفريقيهم ولا لواحد منهما نصرة في وقت من الأوقات، وقد صدق سبحانه لم يزل المنافقون واليهود في الذل ولا يزالون‏.‏

ولما كان ربما قيل‏:‏ إن تركهم لنصرهم إنما هو لخوف الله أو غير ذلك مما يحسن وقعه، علل بما ينفي ذلك ويظهر أن محط نظرهم المحسوسات كالبهائم فقال مؤكداً له لأجل أن أهل النفاق ينكرون ذلك وكذا من قرب حاله منهم‏:‏ ‏{‏لا أنتم‏}‏ أيها المؤمنون ‏{‏أشد رهبة‏}‏ أي من جهة الرهبة وهو تمييز محول عن المبتدأ أي لرهبتكم الكائنة فيهم أشد وأعظم ‏{‏في صدورهم‏}‏ أي اليهود ومن ينصرهم مما أفاض إليها من قلوبهم ‏{‏من الله‏}‏ أي من رهبتهم التي يظهرونها لكم منه وإن ذكروه بكل صفة من صفاته فرهبتهم منكم بسبب لإظهارهم أنه يرهبون الله رياء لكم‏.‏

ولما كان هذا مما يتعجب منه المؤمن علله بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي الأمر الغريب وهو خوفهم الثابت اللازم من مخلوق مثلهم ضعيف يزينهم له وعدم خوفهم من الخالق على ما له من العظمة وذاته ولكونه غنياً عنهم ‏{‏بأنهم قوم‏}‏ أي على ما لهم من القوة ‏{‏لا يفقهون *‏}‏ أي لا يتجدد لهم بسبب كفرهم واعتمادهم على مكرهم في وقت من الأوقات فهم يشرح صدورهم ليدركوا به أن الله هو الذي ينبغي إن يخشى لا غيره، بل هم كالحيوانات لا نظر لهم إلى الغيب إنما هم مع المحسوسات، والفقه هو العلم بمفهوم الكلام ظاهره الجلي وغامضه الخفي بسرعة فطنة وجودة قريحة‏.‏

ولما أخبر برهبتهم دل عليها بقوله‏:‏ ‏{‏لا يقاتلونكم‏}‏ أي كل من الفريقين اليهود والمنافقين أو أحدهما‏.‏ ولما كان الشيء قد يطلق ويراد بعضه، حقق الأمر بقوله‏:‏ ‏{‏جميعاً‏}‏ أي قتالاً يقصدونه مجاهرة وهم مجتمعون كلهم في وقت من الأوقات ومكان من الأماكن ‏{‏إلا في قرى محصنة‏}‏ أي ممنعة بحفظ الدروب وهي السكك الواسعة بالأبواب والخنادق ونحوها ‏{‏أو من وراء جدر‏}‏ أي محيط بهم سواء كان بقرية أو غيرها لشدة خوفهم، وقد أخرج بهذا ما حصل من بعضهم عن ضرورة كاليسير، ومن كان ينزل من أهل خيبر من الحصن يبارز ونحو ذلك، فإنه لم يكن عن اجتماع، أو يكون هذا خاصاً ببني النضير في هذه الكرة‏.‏

ولما كان ربما ظن أن هذا عن عجز منهم لازم لهم دفعه بقوه إعلاماً بأنه إنما هو من معجزات هذا الدين‏:‏ ‏{‏بأسهم‏}‏ أي قوتهم ما فيهم من الصفات التي يتأثر عنها العذاب ‏{‏بينهم شديد‏}‏ أي إذا أداروا رأياً أو حارب بعضهم بعضاً فجرأ المؤمنين عليهم بأن ما ينظرونه من شدتهم وشجاعتهم إذا حاربوا المشركين لا ينكر عند محاربة المؤمنين كرامة أكرم الله بها المؤمنين تتضمن علماً من أعلام النبوة تقوية لإيمانهم وإعلاء لشأنهم‏.‏

ولما كانت علة الشدة الاجتماع، شرح حالتي الشدة والرهبة بقوله مخاطباً للنبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى شدة ما يظهرون من ألف بعضهم لبعض‏:‏ ‏{‏تحسبهم‏}‏ أي اليهود والمنافقين يا أعلى الخلق ويا أيها الناظر من كان ذلك التعاطف الظاهر ‏{‏جميعاً‏}‏ لما هم فيه من اجتماع الدفاع وعن ذلك نشأت الشدة ‏{‏وقلوبهم شتى‏}‏ أي مفترقة أشد افتراق، وعن ذلك نشأت الرهبة، وموجب هذا الشتات اختلاف الأهواء التي لا جامع لها من نظام العقل كالبهائم وإن اجتمعوا في عداوة أهل الحق كاجتماع البهائم في الهرب من الذئب، قال القشيري‏:‏ اجتماع النفوس مع تنافر القلوب واختلافها أصل كل فساد وموجب كل تخاذل، ومقتض لتجاسر العدو، واتفاق القلوب والاشتراك في الهمة والتساوي في القصد يوجب كل ظفر وكل سعادة‏.‏

ولما كان السبب الأعظم في الافتراق ضعف العقل، قال معللاً‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي الأمر الغريب من الافتراق بعد الاتفاق الذي يخيل الاجتماع ‏{‏بأنهم قوم‏}‏ أي مع شدتهم ‏{‏لا يعقلون *‏}‏ فلا دين لهم يجمعهم لعلمهم أنهم على الباطل فهم أسرى الأهوية، والأهوية في غاية الاختلاف، فالعقل مدار الاجتماع كما كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما أن الهوى مدار الاختلاف‏.‏